في مقام التشريع ، فقد انتفى الضرر من قبله حقيقة ، وبلا عناية ، وأما إذا جعل المقتضى
لعدمه ، مع إنه ربما يوجد ما يمنع تأثيره ، كالطغيان وغلبة الدواعي الشهوية ، فلا يصح
أن يخبر بداعي الجد عن انتفائه ، إلا بتنزيل المانع القابل للتحقق ، منزلة العدم ، فالاخبار
على الانتفاء على هذا ، مبني على الادعاء والعناية ، بخلاف ما على المختار ، والفرق الاخر ، بأن
المختار يلائم ورود هذا النفي في مقام الامتنان ، كما هو المرتكز في الأذهان ، وأما كون
النفي بلحاظ ثبوت مقتضيه ، من النهي عن الضرر ، ومفيدا لكونه الغرض من هذا
النفي لبا وواقعا ، فلا يلائم الامتنانية ، لان حرمة الاضرار حكم تكليفي في عرض
سائر التكاليف ، نظير حرمة الشرب والكذب والسرقة والغصب ، وليست ناظرة إلى
الأحكام الثابتة للموضوعات الضررية ، بأن ينفيها امتنانا ، مع ثبوت مقتضياتها ، فلا يصح
حمل لا ضرر على الحكومة أصلا ، إذ لأنظر إلى تلك الأحكام ، ولا قابلية له لذلك على
هذا الوجه ، فلا ينبغي أن يتمسك به في أكثر موارد ما يتمسك به ، فيمكن أن يجعل
فهم الأصحاب منه الحكومة ، واعترافهم بأنه وارد في مقام المنة ، دليلا على عدم وجه
لهذا الوجه ، فبقى المختار في معنى لا ضرر سالما عن جميع ما يرد على غيره من الوجوه ،
حتى على الأخير ، فإن نفي الضرر من قبل الشارع ، بما إنه شارع ، وإن أمكن أن يكون
باعتبار عدم جعل حكم ضرري ، غير منفك عنه أبدا كوجوب الوضوء الضرري
والغسل والصوم كذلك وغيرهما ، حتى لا يكون ناظرا إلى الأحكام المجعولة ، التي قد
يترتب على اتباعها الضرر ، ولا حاكما على أدلتها ، بل يكون لا ضرر ، مفيدا للمخصص
لتلك العمومات ، إلا إنه يمكن أن يكون سوقه لبيان حال الأحكام المجعولة ، وإنها
لا ثبوت لها عند إيجابها للضرر ، فيكون حاكما عليها ، نظير ما يفيد عدم جعل الحرج في
الدين ، ثم لا يخفى إن الحكومة قد تكون بنفي المضوع ، كما إذا قيل هذا ليس بعالم ،
بعد قوله : أكرم كل عالم ، وتارة يكون بنفي الحكم ، كما في المقام ، ونظائر الشارحية والحاكمية ، لأنه غير منفك عن النظر
إلى الحكم الاخر ، بخلاف ما ينفي الحكم ، فإنه يمكن أن لا يكون ناظرا إلى العام ، فيكون
من مخصصاته ، وأن يكون ناظرا إليه ، فيقدم عليه بالحكومة ، ومن فهم القوم والتزامهم
بحكومة القاعدة ، يستكشف عن أن النفي في المقام ، غير مسوق لإفادة نفي حكم مستقل ،
تنقيح الأصول ، خلاصة ما استفاده من أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي — صفحة 129
مساهمون: السيد محمد رضا الطباطبائي
ص١٢٩