تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وقوله ( من يعمل سوء يجز به ) مطلق يشمل الجزاء الدنيوي الذي تقرره الشريعة الاسلامية كالقصاص للجاني ، والقطع للسارق ، والجلد أو الرجم للزاني إلى غير ذلك من أحكام السياسات وغيرها ويشمل الجزاء الأخروي الذي أوعده الله تعالى في كتابه ، وبلسان نبيه . وهذا التعميم هو المناسب لمورد الآيات الكريمة والمنطبق عليه ، وقد ورد في سبب النزول أن الآيات نزلت في سرقة ارتكبها بعض ، ورمى بها يهوديا أو مسلما ثم ألحوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقضى على المتهم . وقوله ( ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) يشمل الولي والنصير في صرف الجزاء السئ عنه في الدنيا كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ولى الامر وكالتقرب منهما وكرامة الاسلام والدين ، فالجزاء المشرع من عند الله لا يصرفه عن عامل السوء صارف ، ويشمل الولي والنصير الصارف عنه سوء الجزاء في الآخرة إلا ما تشمله الآية التالية . قوله تعالى : ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) هذا هو الشق الثاني المتضمن لجزاء عامل العمل الصالح وهو الجنة ، غير أن الله سبحانه شرط فيه شرطا يوجب تضييقا في فعلية الجزاء وعمم فيه من جهة أخرى توجب السعة . فشرط في المجازاة بالجنة أن يكون الآتي بالعمل الصالح مؤمنا إذ الجزاء الحسن إنما هو بإزاء العمل الصالح ولا عمل للكافر ، قال تعالى : ( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) ( الانعام - 88 ) ، وقال تعالى : ( أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) ( الكهف - 105 ) . قال تعالى : ( ومن يعمل من الصالحات ) فأتى بمن التبعيضية ، وهو توسعة في الوعد بالجنة ، ولو قيل : ومن يعمل الصالحات - والمقام مقام الدقة في الجزاء - أفاد أن الجنة لمن آمن وعمل كل عمل صالح ، لكن الفضل الإلهي عمم الجزاء الحسن لمن آمن وأتى ببعض الصالحات فهو يتداركه فيما بقي من الصالحات أو اقترف من المعاصي بتوبة أو شفاعة كما قال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ( النساء - 116 ) وقد تقدم تفصيل الكلام في التوبة وفي قوله تعالى : ( إنما التوبة على الله ) ( النساء - 17
تفسير الميزان — صفحة 87 | السيد محمدحسين الطباطبائي