الكلام ، واللام للقسم ، والمعنى أقسم لترون الجحيم التي جزاء هذا التلهي كذا فسروا .
قالوا : ولا يجوز أن يكون قوله : " لترون الجحيم " جواب لو الامتناعية لان
الرؤية محقق الوقوع وجوابها لا يكون كذلك .
وهذا مبني على أن يكون المراد رؤية الجحيم يوم القيامة كما قال : " وبرزت الجحيم لمن
يرى " النازعات : 36 وهو غير مسلم بل الظاهر أن المراد رؤيتها قبل يوم القيامة رؤية
البصيرة وهي رؤية القلب التي هي من آثار اليقين على ما يشير إليه ، قوله تعالى : " وكذلك
نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين " الانعام : 75 ، وقد تقدم
الكلام فيها ، وهذه الرؤية القلبية قبل يوم القيامة غير محققة لهؤلاء المتلهين بل ممتنعة في
حقهم لامتناع اليقين عليهم .
قوله تعالى : " ثم لترونها عين اليقين " المراد بعين اليقين نفسه ، والمعنى لترونها
محض اليقين ، وهذه بمشاهدتها يوم القيامة ، ومن الدليل عليه قوله بعد ذلك " ثم لتسألن
يومئذ عن النعيم " فالمراد بالرؤية الأولى رؤيتها قبل يوم القيامة وبالثانية رؤيتها يوم القيامة .
وقيل : الأولى قبل الدخول فيها يوم القيامة والثانية إذ دخلوها .
وقيل : الأولى بالمعرفة والثانية بالمشاهدة ، وقيل : المراد الرؤية بعد الرؤية إشارة
إلى الاستمرار والخلود ، وقيل غير ذلك وهي وجوه ضعيفة .
قوله تعالى : " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " ظاهر السياق أن هذا الخطاب وكذلك
الخطابات المتقدمة في السورة للناس بما أن فيهم من اشتغل بنعمة ربه عن ربه فأنساه
التكاثر فيها عن ذكر الله ، وما في السورة من التوبيخ والتهديد متوجه إلى عامة الناس
ظاهرا واقع على طائفة خاصة منهم حقيقة وهم الذين ألهاهم التكاثر .
وكذا ظاهر السياق أن المراد بالنعيم مطلقه وهو كل ما يصدق عليه أنه نعمة فالانسان
مسؤول عن كل نعمة أنعم الله بها عليه .
وذلك أن النعمة - وهي الامر الذي يلائم المنعم عليه ويتضمن له نوعا من الخير
والنفع - إنما تكون نعمة بالنسبة إلى المنعم عليه إذا استعملها بحيث يسعد بها فينتفع
وأما لو استعملها على خلاف ذلك كانت نقمة بالنسبة إليه وإن كانت نعمة بالنظر إلى نفسها .
وقد خلق الله تعالى الانسان وجعل غاية خلقته التي هي سعادته ومنتهى كماله التقرب
العبودي إليه كما قال : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " الذاريات 56 وهي
تفسير الميزان — صفحة 352
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٥٢