تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
كانوا يصرون على قولهم ذلك ، لا لدفع القول بالمعاد فحسب ، بل لان القول بالمعاد والدعوة إليه كان يستتبع تطبيق الحياة الدنيوية على الحيا بنحو العبودية ، وطاعة قوانين دينية مشتملة على مواد وأحكام تشريعية : من العبادات والمعاملات والسياسات . وبالجملة القول بالمعاد كان يستلزم التدين بالدين ، واتباع أحكامه في الحياة ، ومراقبة البعث والمعاد في جميع الأحوال والأعمال ، فردوا ذلك ببناء الحياة الاجتماعية على مجرد الحياة الدنيا من غير نظر إلى ما ورائها . وكذا قوله تعالى : " إن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم " النجم - 30 ، فبين تعالى أنهم يبنون الحياة على الظن والجهل ، والله سبحانه يدعو إلى دار السلام ، ويبني دينه على الحق والعلم ، والرسول يدعو الناس إلى ما يحييهم ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم " الأنفال - 24 ، وهذه الحياة هي التي يشير إليها قوله تعالى : " أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها " الانعام - 122 ، وقال تعالى : " أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب " الرعد - 19 ، وقال تعالى : " قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسبحان الله وما انا من المشركين " يوسف - 108 ، وقال تعالى : " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " الزمر - 9 ، وقال تعالى : " يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم " البقرة - 129 ، إلى غير ذلك ، والقرآن مشحون بمدح العلم والدعوة إليه والحث به ، وناهيك فيه انه يسمي العهد السابق على ظهور الاسلام عهد الجاهلية كما قيل . فما أبعد من الانصاف قول من يقول : ان الدين مبني على التقليد والجهل مضاد للعلم ومباهت له ، وهؤلاء القائلون أناس اشتغلوا بالعلوم الطبيعية والاجتماعية فلم يجدوا فيها ما يثبت شيئا مما وراء الطبيعة ، فظنوا عدم الاثبات إثباتا للعدم ، وقد أخطأوا في ظنهم ، وخبطوا في حكمهم ، ثم نظروا إلى ما في أيدي أمثالهم من الناس المتهوسين من أمور يسمونه باسم الدين ، ولا حقيقة لها غير الشرك ، والله برئ من المشركين ورسوله ، ثم نظروا إلى الدعوة الدينية بالتعبد والطاعة فحسبوها تقليدا وقد أخطأوا