وقوله : " وبشر المؤمنين " معطوف على الامر المفهوم من سابق الكلام كأنه قيل :
قل يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم " الخ ، وبشر المؤمنين .
وتحاذي هذه البشرى ما في قوله : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم
بأن لهم الجنة - إلى أن قال - فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به " التوبة : 111 ، وبه
يظهر أن الذي أمر أن يبشروا به مجموع ما يؤتيهم الله من الاجر في الآخرة والدنيا لا
خصوص النصر والفتح .
هذا كله ما يعطيه السياق في معنى الآية وإعراب أجزائها ، وقد ذكر فيها أمور
أخرى لا يساعد عليها السياق تلك المساعدة أغمضنا عن ذكرها ، واحتمل أن يكون
قوله : " وبشر " الخ استئنافا .
قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله " الخ ، أي اتسموا بهذه السمة
ودوموا واثبتوا عليها فالآية في معنى الترقي بالنسبة إلى قوله السابق : " هل أدلكم على
تجارة تنجيكم من عذاب أليم " ومآل المعنى : اتجروا بأنفسكم وأموالكم فانصروا
الله بالايمان والجهاد في سبيله ودوموا واثبتوا على نصره .
والمراد بنصرتهم لله أن ينصروا نبيه في سلوك السبيل الذي يسلكه إلى الله على بصيرة
كما قال : " قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " يوسف : 108 .
والدليل على هذا المعنى تنظيره تعالى قوله : " كونوا أنصار الله " بقوله بعده : " كما
قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله " فكون
الحواريين أنصار الله معناه كونهم أنصارا لعيسى بن مريم عليهما السلام في سلوكه سبيل
الله وتوجهه إلى الله وهو التوحيد وإخلاص العبادة لله سبحانه فمحاذاة قولهم : " نحن
أنصار الله " لقوله : " من أنصاري إلى الله " ومطابقته له تقتضي اتحاد معنى الكلمتين
بحسب المراد فكون هؤلاء المخاطبين بقوله : " يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله "
أنصارا لله معناه كونهم أنصارا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في نشر الدعوة وإعلاء كلمة الحق بالجهاد ،
وهو الايمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته فيما يأمر وينهى عن قول جازم وعمل صادق - كما هو
مؤدى سياق آيات السورة .
وقوله : " فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على
عدوهم فأصبحوا ظاهرين " إشارة إلى ما جرى عليه وانتهى إليه أمر استنصار عيسى
تفسير الميزان — صفحة 260
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٦٠