الشرائع كما تقدم في تفسير قوله تعالى : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا
تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) الانعام : 151 ، ولذلك قال : ( ووصينا الانسان )
فعممه لكل إنسان .
ثم عقبه سبحانه بالإشارة إلى ما قاسته أمه في حمله ووضعه وفصاله إشعار بملاك
الحكم وتهييجا لعواطفه وإثارة لغريزة رحمته ورأفته فقال : ( حملته أمه كرها ووضعته
كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) أي حملته أمه حملا ذا كره أي مشقة وذلك لما في
حمله من الثقل ، ووضعته وضعا ذا كره وذلك لما عنده من ألم الطلق .
وأما قوله : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) فقد اخذ فيه أقل مدة الحمل وهو
ستة أشهر والحولان الباقيان إلى تمام ثلاثين شهرا مدة الرضاع ، قال تعالى : ( والوالدات
يرضعن أولادهن حولين كاملين ) البقرة : 233 ، وقال : ( وفصاله في عامين ) لقمان : 14 .
والفصال التفريق بين الصبي وبين الرضاع ، وجعل العامين ظرفا للفصال بعناية
أنه في آخر الرضاع ولا يتحقق إلا بانقضاء عامين .
وقوله : ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ) بلوغ الأشد بلوغ زمان من
العمر تشتد فيه قوى الانسان ، وقد مر نقل اختلافهم في معنى بلوغ الأشد في تفسير
قوله : ( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ) يوسف : 22 ، وبلوغ الأربعين ملازم عادة
لكمال العقل .
وقوله : ( قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن
أعمل صالحا ترضاه ) الايزاع الالهام ، وهذا الالهام ليس بإلهام علم يعلم به الانسان ما
جهلته نفسه بحسب الطبع كما في قوله : ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها )
الشمس : 8 ، بل هو إلهام عملي بمعنى البعث والدعوة الباطنية إلى فعل الخير وشكر
النعمة وبالجملة العمل الصالح .
وقد أطلق النعمة التي سأل إلهام الشكر عليها فتعم النعم الظاهرية كالحياة
والرزق والشعور والإرادة ، والباطنية كالايمان بالله والاسلام والخشوع له والتوكل عليه
والتفويض إليه ففي قوله : ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك ) الخ ، سؤال أن يلهمه الثناء
عليه بإظهار نعمته قولا وفعلا : أما قولا فظاهر ، وأما فعلا فباستعمال هذه النعم
تفسير الميزان — صفحة 201
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٠١