ولمّا كان عرشه الَّذى يستوي عليه : لازم أن يكون ممّا وراء عالم الخلق المحدود الحادث ، فهو تجلَّى الصفات وظهورها وفعليّتها ، وهي صفات الجلال والجمال ، وتجمعها صفات الحياة والقدرة والعلم والإرادة ، ومرجعها إلى صفة الحياة - راجع الرود .
فهو تعالى وتبارك يدبّر أمور الخلق مستويا على عرش عظمته وجماله وصفاته المتجلَّية الَّتى تجمعها الحياة الذاتيّة غير المحدودة الَّتى لا نهاية لها ، وتتجلَّى منها القدرة المطلقة والعلم المطلق والإرادة .
فتدبيره تعالى مبتنى على هذا البناء المتجلَّى الذاتىّ غير المحدود ، وهذا هو حقيقة عرش اللَّه العظيم .
فهو تعالى يدبّر أمره على اقتضاء حياته وقدرته وعلمه وإرادته . ويصحّ أن نقول : بانّ السماوات والأرض كافّة إنّما هي الظاهرة المتجلَّية المنبسطة عن هذه الصفات الذاتيّة ، فالعرش تنطوى فيه جميع العوالم المخلوقة الحادثة ، فمرجع جميع الموجودات إلى هذه الصفات الأربع ، ومرجع الصفات إلى صفة الحياة ، وهي عين الذات .
وعلى هذا يصحّ لنا أن نقول أيضا : إنّ العرش عرش للسماوات والأرض ، فانّه واقع فوقها محيط بها ومتفوّق على جميع الموجودات . كما أنّه عرش للَّه تعالى ، بمعنى التسلَّط والحكومة والربوبيّة والاستيلاء والاستواء عليه ، كسرير الملك فانّه عرش له .
* ( عَلَيْه ِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) * - 9 / 129 .
* ( فَسُبْحانَ ا للهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) * - 21 / 22 .
* ( مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) * - 23 / 86 .
* ( لا إِله َ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) * - 23 / 116 والمراد من الربّ : من بيده تولية الأمر وتحويله وتدبيره وهو الصاحب القيّوم المالك ، ويعبّر عن هذا المعنى بذي .
* ( إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ) * - 17 / 42 . * ( رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ ) * - 40 / 15
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 87
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٨٧