فمن أصول خلقته من جهة الصفات والأخلاق النفسانيّة : صفة العجل ، فانّ الصفات النفسانيّة حقيقتها كيفيّات نفسانيّة وأطوارها وخصوصيّاتها ، وهذه الصفات عين النفس والذات ، فانّ النفس في وحدته كلّ القوى ، ولا تغاير بينها الَّا بالاعتبار واللحاظ .
ولمّا كان الإنسان محدودا ضعيفا : ففيه صفة العجل قهرا وبالطبيعة ، فيصحّ أن يطلق عليه - خلق الإنسان من عجل .
وهذا حقيقة قوله تعالى :
* ( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا . ) * . * ( وَيَدْعُ الإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَه ُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الإِنْسانُ عَجُولًا ) * - 17 / 11 .
ثمّ إنّ الإنسان بمقتضى هذه المحدوديّة والعجل : يشكل عليه الصبر والوقار والطمأنينة ، فيختار بالطبع العاجلة ، ولا يصبر على الآجلة .
* ( إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا ) * 76 / 27 .
و . * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَه ُ فِيها ما نَشاءُ ) * - 17 / 18 .
* ( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) * - 17 / 20 .
فالإنسان لو خلَّى وطبعه ، ولم يخضع لحكم اللَّه وقوانين دينه وبرنامج تعليم الرسول وتربيته وتزكيته : فهو عاجل ويحبّ العاجل المسرع ، ولا يتوجّه إلى الآجل المتأخّر .
نعم هو مختار في اختيار أىّ من البرنامجين العاجل أو الآجل ، والرسول مبعوث من جانب اللَّه تعالى إلى هدايتهم وسوقهم إلى الفلاح والصلاح والكمال والسعادة الحقيقيّة ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .
وهذا الاختيار في محيط الحياة الدنيا يوجب ترك اليوم العظيم ، والاعراض عن الحياة العليا الحقّة ، فينتفى جميع الفضائل الروحانيّة ، ويسقط تمام الكمالات والمراتب الانسانيّة ، فلا يرى إلَّا ظاهرا وعاجلا ، مع أنّ العاجلة أيضا بيده تعالى وبإرادته وتقديره . * ( عَجَّلْنا لَه ُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ) * .
وإذا أعرض عن سبيل الحقّ ، وظهر الضلال والانحراف : فيميل الإنسان إلى
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 44
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٤٤