فجعلت هذه الحالة لهم كالطبيعة الثانية فهم لا يرجعون إلى الهدى ، إلَّا أن يهديهم اللَّه تعالى .
* ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ ا للهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) * - 28 / 56 .
* ( وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ ) * - 30 / 53 .
ثمّ إنّ عمى القلب أشدّ تأثيرا وأقوى نفوذا في ذات الإنسان من عمى العين :
فانّ رؤية العين من آثار البدن المادّىّ ، وينتفع بها في هذه الدنيا ، ثمّ تنتفى بانتفاء الحياة الدنيا . وأمّا عمى القلب والبصيرة : فهي ممّا يتعلَّق بالروح ولا فناء لها ولا تعلَّق فيها بالحياة الدنيا .
* ( وَمَنْ كانَ فِي هذِه ِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) * - 17 / 72 .
فإذا كان الأمر كذلك : فليجاهد الإنسان في تقوية بصيرة قلبه ، الَّتى ينتفع بها في الحياتين ، ويحذر عن عماه وعن محجوبيّة نفسه ، ويتوجّه إلى أنّ الخير والسعادة والفلاح له في بصيرة القلب .
* ( فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِه ِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ) * - 6 / 104 .
* ( يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِه ِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ) * - 11 / 28 .
* ( وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ ) * - 28 / 66 .
نسب العمى إلى الرحمة والأنباء : إشارة إلى شدّة قطع الارتباط بينها وبينهم ، فانّ العمى هو فقدان العلم والاطَّلاع بسبب الأبصار ، وهذا المعنى إذا نسب إليهم : لا يستلزم فقدان العلم بأىّ وسيلة أخرى ، وهذا بخلاف نسبته إلى الرحمة والأنباء ، فانّ عماها عبارة عن قطع مطلق الارتباط ، ويدلّ على نفى مطلق الاقتضاء فيها لحصول الكشف والربط والإشراف والنظر والاطَّلاع .
والإشراف والنظر في كلّ شيء بحسب موضوعه وخصوصيّته ، والعمى الكلَّى فقدان ذلك النظر والإشراف بالكليّة ومن أصله ، حتّى ينتفي أصل الاقتضاء ، وهذا بالنسبة إليها كذلك .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 231
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٣١