إذا شدّه فمنعه من أن يثور ، ولهذا لا يوصف اللَّه تعالى به . وقيل - العقل يفيد معنى الحصر والحبس . وخلاف العقل الحمق ، وخلاف العلم الجهل ، وقيل لعاقلة الرجل عاقلة : لأنّهم يحبسون عليه حياته . والعقال ما يحبس الناقة عن الانبعاث .
والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو تشخيص الصلاح والفساد في جريان الحياة مادّيّا ومعنويّا ثم ضبط النفس وحبسه عليها . ومن لوازمه : الإمساك ، والتدبّر ، وحسن الفهم ، والإدراك ، والانزجار ، ومعرفة ما يحتاج اليه في الحياة ، والتحصّن تحت برنامج العدل والحقّ ، والتحفّظ عن الهوى والتمايلات .
وهذا حقيقة ما ورد في الأحاديث من أنّ له جنودا كثيرة .
فظهر أنّ التفاسير المذكورة : إمّا مجازات أو باللوازم .
ثمّ إنّ التشخيص والضبط إمّا في مورد نفسه وبالنسبة اليه فيقال عقل يعقل فهو عاقل . وإمّا بالنسبة إلى موجود آخر كالبعير والقود في القتيل ، فيقال - عقلت البعير لئلَّا يثور وحفظا له من الطغيان . وعقلت الدية أو القتيل إذا تعيّن الصلاح وتشخّص العمل اللازم في تأدية الدية عن القتيل لئلَّا يوجب ثورانا وهيجانا من جانب الورثة أو غيرهم .
وكذلك بالنسبة إلى ضبط اللسان . وفي الجناية . وفي الرجل الطاغي . وفي البطن المستطلق . وفي الطفل إذا بلغ التمييز . وهكذا .
فظهر أنّ العقل وهو قوّة بها يتميّز الخير والصلاح مادّيا ومعنويّا ، ثمّ توجب الضبط عن الخلاف والتمايل وفي جهة التشخيص : هو أقوى وسيلة في تحصيل السعادة والوصول إلى الكمال ، ولا ينفع في فقدانه عبادة ولا زهد ولا رياضة ولا أىّ عمل واقع .
* ( وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ) * - 67 / 10 .
* ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ) * - 25 / 44 .
* ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) * - 2 / 171 .
* ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ ا للهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) * - 8 / 22 .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 196
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٩٦