وأمّا المغلوليّة إلى العنق : فانّ اليد المغلولة والمنكسرة تعلَّق بالعنق ، وحينئذ تكون محدودة مغلولة منقبضة ، وعلى هذا عبّر بقوله إلى عنقك ، ولم يعبّر بقوله - في عنقك ، فانّ اليد غير مغلولة في العنق .
وأيضا - إنّ العنق يعبّر به عن النفس كناية ، كما في :
* ( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) * فيشار إلى النهى عن قبض اليد بمنظور التوجّه إلى حفظ جانب النفس فقط .
وأمّا مغلوليّة يد اللَّه عزّ وجلّ : فانّها توجب وتكشف عن محدوديّة في قدرته وإرادته ، وهذه تكشف عن محدوديّة في ذاته ونوره ، وسبحانه وتعالى عن ذلك ، وهو نور غير محدود وغير متناه في ذاته وصفاته - . * ( لُعِنُوا بِما قالُوا ) * .
وأمّا قوله - فغلَّوه : أي فأدخلوا الغلّ فيه واجعلوه مغلولا بالتعلَّق بالمال والعنوان ، كما اعترف به بقوله - . * ( ما أَغْنى عَنِّي مالِيَه ْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَه ْ خُذُوه ُ فَغُلُّوه ُ ) * - إشارة إلى أنّ المال والسلطان والتعلَّق بهما لم تهلك بل صورها البرزخيّة هي السلسلة الَّتى ذرعها سبعون ذراعا .
* ( وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * - 34 / 33 . * ( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً ) * - 76 / 4 . * ( إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ) * - 40 / 71 سبق في السلسلة : أنّها ما تكون فيها استطالة في اتّصال أجزاء . ويراد منها : سلاسل التمايلات والشهوات النفسانيّة الدنيويّة المتسلسلة المتجسّمة بصورة السلاسل ، ومنها تتحصّل الأغلال وهي التقيّدات والحدود والتعلَّقات المادّية ، ومنها تتحصّل السعير .
فالسلاسل بها يجرّ إلى جانب لا يتمايل اليه . والسحب هو الجرّ . وقوله - يسحبون خبر عن المبتدأ ، أي يسحبون بها الكافرون .
فالسلاسل والأغلال : هي الَّتى كسبت أيديهم وتحصّلت بها ، ولازم للَّه تعالى أن يوصل ويلحق كلّ شيء إلى صاحبه ، وهذا معنى الإعتاد ( اعتدنا ) ، أي الإنفاذ وإجراء ما يراد ويلزم على شخص .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 258
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٥٨