الحكاية الجزميّة عن وقوع النسبة وتحقّقها ، ولكنّ الداعي فيها هو الطلب والإنشاء ، وهذا التعبير أبلغ في إفادة الوجوب واللزوم من صيغة الأمر ، ولا سيّما على كون الجزم في يغضّوا ، بمفهوم الشرطيّة الكائنة في فعل الأمر ( قل ) وهو الحقّ المسلَّم ، والجملة جزاء مترتّب على الأمر ، فيكون في هذا التعبير تأكيدا زائدا .
2 - وقوع حفظ الفروج بعد الغضّ في الموردين : يدلّ على أهميّة الغضّ ولزومه ووجوبه ، في حدّ قبل حفظ الفروج ، إذا لوحظ من حيث هو ، وفي حدّ أعلى وأشدّ إذا لوحظ بالنسبة إلى آثاره ، فانّ الغضّ هو الَّذى ينتج التحفّظ والتعفّف ، كما أنّ عدم الغضّ يوجب آثارا وينتهى إلى أعمال شنيعة ، ومنها التورّط في الزنا .
3 - قلنا إنّ الغضّ هو كفّ مع خفض ، ولمّا كانت الآيات قبلها مربوطة بما يتعلَّق بالرجال والنساء : عقّبها بها ، فيكون الغضّ في الرجال في قبال النساء ، وفي النساء في قبال الرجال .
4 - سبق أنّ البصر هو العلم بنظر العين أو القلب ، وهو في الأصل صفة ، فيراد منه العين الباصرة ، وجمعه الأبصار .
فيكون المراد الإشارة إلى فريضة واجبة للرجال والنساء ، أن يكفّوا أبصارهم ويخفضوا نظرهم في مقابل من يحرم عليهم .
5 - قلنا إنّ غضّ البصر أوّل مرحلة يوجب التوفيق في سائر مراحل التعفّف والتحفّظ للرجال والنساء ، وهذا المعنى في المرتبة الأولى ناظر إلى الوجه والكفّين ، فانّها المقابلة والمواجهة والمترائية في قبال كلّ ناظر ومتوجّه ، وبها يستكشف الجمال وسائر الخصوصيّات الجالبة للإنسان ، وبها تتحقّق المخاطبة والمؤانسة .
ولا أثر في الغضّ عن سائر الأعضاء ، إذا كان الوجه والكفّين خارجة عن الحكم . ولا فائدة في التحجّب والتستّر بدونها .
6 - وقد ذكر الغضّ في الآية بكلمة من : إشارة إلى أنّ الغضّ واجب في حدّ صدق التحفّظ من النظر ، لا مطلقا حتّى ينتهى إلى نهايته .
7 - وامّا الجزم في يغضّوا ويحفظوا بحذف النون : فالتحقيق أنّ الأمر أو النهى إذا أفادا معنى الشرطيّة والسببيّة ، يجزم جزاؤهما المسبّب ، والعامل هو ذلك
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 236
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٣٦