يضلّ في سبيله ويتحيّر ويعمه في تشخيص نظره ، ومن ذلك التعامي والتغافل عن الشيء والتغاطش .
ولا يخفى أنّ موادّ - الغطو ، والغطس ، والغضى ، والغشي ، والغسق ، والغسم ، والغبش ، والغلس ، والعنش : فيها تقارن واشتراك من جهة اللفظ والمعنى .
* ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ، وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ) * - 79 / 29 أي جعل الليل غطاشا وأغطش ، كما يقال انّها مفازة غطشى ، أي فيها عمه لا اهتداء فيها .
وأمّا التفسير بالاظلام : فغير صحيح ، فانّ الليل هو المحيط المظلم وهو متّصف بالظلمة ، فلا يقال أظلم الليل ، كما لا يقال أضاء النهار ، قال الله تعالى :
* ( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها ) * . . . . * ( وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ) * ، * ( كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً ) * ، * ( وَالنَّهارَ مُبْصِراً ) * .
وأمّا تقديم الليل على الضحى في الآية الكريمة : فانّ الليل مقدّم على النهار والضحى ، إذا لوحظا من جانب عالم المادّة والطبيعة - . * ( أَمِ السَّماءُ بَناها ) * . وأمّا إذا لوحظا من جهة التكوين المطلق : فانّ عالم المادّة والظلمة والليل تكون متأخّرة عن الضحى والنور .
ثمّ إنّ المراد من الليل في الآية : مطلق الليل الحادث في السماوات في اثر الحركات السماويّة والنجوم السيّارة ، لا الليل الحادث في الأرض ، فانّ الأرض قد ذكرت في الآية بعدها - . * ( وَالأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ) * .
وفي الآية الكريمة تنبيه على أنّ الإنسان في بدء أمره وسيره يواجه عالم الحيرة والغفلة والعمه والظلمة ، وهذا الترتيب محفوظ في عالم الطبيعة على حسب اقتضاء نظمها وتقديرها . وله أن يطلب بخلوص النيّة وصفاء السريرة أن يهديه الله إلى النور والضحى من الحقّ .
غطى مقا ( 1 ) - غطو : يدلّ على الغشاء والستر ، يقال : غطيت الشيء وغطَّيته ،
و
هامش
( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه .