والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو تشدّد في قبال شيء آخر . ومن مصاديقه : تشدّد وتصلَّب في الصخرة في مقابل من يستعملها . وتشدّد يتراءى في الحيّة المقابلة ، وكذا في الناقة العبوس . وتشدّد ومقاومة في الجنّة في قبال العدوّ . وهكذا .
ومن ذلك الغضب : وهو تحرّك في النفس إلى حدّة وشدّة في قبال شيء آخر ، ويقابله الحلم ، وهو التعقّل والسكون .
وفي الغضب : خروج النفس عن الاعتدال في التعقّل والسكون ، وحركته إلى جانب الحدّة والشدّة والاشتعال . قال الباقر ع : الغضب جمرة من الشيطان توقد في جوف ابن آدم ، وإنّ أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه .
هذا إذا كان الغضب في الباطل . وأمّا إذا كان على الحقّ وللحقّ وفي الله : فالغضب فيه ممدوح وحقّ ما دام لم يجرّ باطلا .
* ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِه ِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي ) * - 7 / 150 . * ( وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْواحَ ) * - 7 / 154 . * ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْه ِ ) * - 21 / 87 . * ( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) * . . . . * ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) * - 42 / 37 غضب النبىّ موسى ( ص ) كان في الله وبلحاظ انحراف قومه عن سبيل الله ، وغضب ذي النون كان في الله ولكنّه لم يصبر على أذى القوم ولم يحمل أعباء النبوّة فخرج عنهم مغاضبا . وغضب المؤمنين كان في الحقّ والصلاح حدوثا ولكنّ ادامته لم يكن بصلاح ، ولهم أن يعفوا عن من عليه الغضب .
وعلى أىّ حال فالغضب الممدوح : ما يكون على حقّ وفي حقّ ومستمرّا ما دام حقّا ، فيدور مدار الحقّ ، لا الحدّة النفسانية .
وأمّا الغضب من الله العزيز : فهو أيضا شدّة وحدّة بمراتبها في قبال قبائح الأعمال ومظالم العباد ومساوي الأخلاق والمعاصي ، وفي الَّذين بدّلوا نعمة الله
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 232
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٣٢