فالصعيد بمعنى الجهة الَّتي فيها ارتقاء ، ويقابله ما يكون فيه انحدار .
* ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) * - 4 / 43 - 5 / 6 .
قلنا إنّ الصعيد من الأرض ما كان فيه تمايل إلى ارتقاء ، في مقابل الجهة المنحدرة ، وقد يطلق على الأرض المستوية إذا كانت مجاورة لواد ، فانّ الصعود والحدور أمران نسبيّان ، وهذا القيد في التيمّم بلحاظ مصونيّة الأراضي المرتفعة عن الخبائث والأحداث ، كما أنّ الغائط يسمّى به بمناسبة حدوثه في الأراضي المنخفضة .
فالصعيد ليس بمعنى وجه الأرض أو ما كان ذا تراب أو ما كان مستويا أو الأرض الملساء ، أو غير ذلك .
* ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّه ِ يَسْلُكْه ُ عَذاباً صَعَداً ) * - 72 / 17 .
* ( كَلَّا إِنَّه ُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُه ُ صَعُوداً ) * - 74 / 17 .
الإرهاق : غشيان بما يكرهه .
والصعد والصعود كالحسن والذلول صفتان بمعنى ما يتّصف بكونه متمايلا إلى الارتقاء . وهذا المعنى يلازم المشقّة وخلاف جريان الطبيعة من جهتين : من جهة كونه خلاف الاستواء والتسطَّح ، ومن جهة الصعوبة في الارتقاء والنزول فيه .
فالعذاب والمحيط الصعد والصعود : عبارة عمّا يكون فوق مرتبة عاديّة متصوّرة ، بحيث يكون الابتلاء به خارجا عن جريان طبيعيّ .
والفرق بين الصعيد والصعد والصعود : هو الفرق بين حركاتها وهيآتها ، فانّ الياء والكسرة تدلّ على انخفاض في الصعود ، والفتحتين تدلَّان على انفتاح واعتلاء ، والضمّة والواو تدلَّان على الانضمام والامتداد ، فالصعيد قد استعمل في مقام ارتقاء قليل كما في التيمّم ونزول العذاب . والصعد قد استعمل في مقام ارتفاع وعلوّ في الصعود كما في السوق إلى العذاب . والغشيان في العذاب كما في الصعود فيدلّ على امتداد وعلوّ في الصعود .
* ( يَجْعَلْ صَدْرَه ُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ) * - 6 / 125 .
أصله يتصعّد كما في اصّدّق يصّدّق ، والأصل تصدّق يتصدّق ، والتفعّل يدلّ على اختيار ومطاوعة ، أي يختار الصعود في السماء ، وهذا في غاية الصعوبة .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 239
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٣٩