والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو البخل الشديد الراسخ في القلب ، ومن لوازم هذا المعنى كونه أبلغ ، وأن يكون مع الحرص .
* ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِه ِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * - 59 / 9 .
أي الَّذي يصان عن الشحّ المكنون في نفسه : هو المفلح .
وهذه الصفة إذا رسخت وثبتت في القلب وغلبت على القوى : تمنع النفس عن مطلق عمل الخير قولا وفعلا ، بل تمنع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وتربية الناس وهدايتهم وإرشادهم ، والإنفاق والإحسان والإعانة بأيّ صورة يمكنه والخدمة لهم .
* ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا ) * - 4 / 128 .
أي وقوربت الأنفس بالشحّ وموزجت به ، فيشكل لها الإحسان والعمل بالمعروف والصلاح والخير أزيد ممّا عليه .
فدفع الشحّ والعمل بالخير والصلاح : هو طريق الفلاح .
* ( فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ) * - 33 / 19 .
* ( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ ) * - 33 / 19 .
فالشحّ : حالة طبيعيّة وصفة باطنيّة لهم يظهر منهم قبل مجيء الخوف وبعد زواله ، وهو نتيجة حبّ النفس وحبّ الحياة الدنيا ، فيجمع المال للحياة الدنيا ، ولا يطلب في أعماله إلَّا تعظيم نفسه ، فيمنع الخير وإجراءه للنفس .
واختلاف التعبير في - عليكم - على الخير : إشارة إلى أنّ شحّهم في المرتبة الأولى على جماعة المسلمين وفي خصوص قدرتهم وقوّتهم ونفوذهم ووسعهم ، وإنّهم يمنعون عن هذه البسطة لهم وحريصون لها ، ثمّ إذا جاءهم الخوف يتوجّهون إليهم ويتوسّلون بهم ليدفعوا عنهم الشرّ ، ثمّ إذا ارتفع الخوف سلقوهم ويظهرون شحّهم
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 22
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٢