والمصدر السخريّة كأنّها منسوبة إلى السخرة مثل العبوديّة . وأمّا قوله تعالى : . * ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ) * - فانّما هو بعث الشيء المسخّر ، ولو وضع موضع المصدر جاز .
والهزء يجري مجرى العبث ، ولهذا جاز هزأت مثل عبثت ، فلا يقتضي معنى التسخير .
فالفرق بينهما بيّن .
والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الحكم والتقدير مع القهر تكوينا أو تشريعا ، يقال سخّر اللَّه الشمس والقمر والسماء والأرض ، إذا جعلها تحت حكمه وقهرها بتقديره تكوينا . ومن لوازم هذا المعنى الإطاعة ، والاستذلال تحت الامر ، والإرادة والتكليف بما يريده ، والاستعمال مجّانا وبلا اجرة .
وصيغة التفعيل تدلّ على المبالغة ويلاحظ فيها جهة تعلَّق الفعل إلى المفعول به ، أي يكون النظر فيها إلى جهة الوقوع لا الصدور .
وأمّا صيغة المجرّد من المادّة : فهي تدلّ على مطلق الحكم قولا أو عملا بالقهر ظاهريّ أو معنويّ . فيقال : سخر يسخر سخرا وسخرا وسخريّا ، وسخر منه يسخر منه واستسخر فهو ساخر ومستسخر .
والاستعمال بكلمة - من : يدلّ على أنّ الحكم والقول في حال أو صفة أو خصوصيّة أو عمل من المتعلَّق ، لا في مطلق مفهومه .
فظهر أنّ حقيقة المادّة غير مطلق القهر أو التكليف أو التذليل أو الهزء أو غيرها ، ولا بدّ من ملاحظة القيود .
* ( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ا للهُ مِنْهُمْ ) * - 9 / 79 .
* ( وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْه ِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِه ِ سَخِرُوا مِنْه ُ ) * - 11 / 38 .
* ( قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ) * - 11 / 38 .
* ( وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) * - 2 / 212 .
* ( فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِه ِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) * - 6 / 10 .
فيراد الحكم والقول والانتقاد ممّا يتعلَّق بهم وفي نوع من حالاتهم وأعمالهم
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 76
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٧٦