والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الكشط والنزع في ظاهر شيء ، مادّيّا أو معنويّا في حال أو كيفيّة .
يقال - سحل الأرض والخشبة ، وسحله بالسوط ، وسحله بلسانه ، وبهذا الاعتبار يطلق على اللسان الحديد ، والغرم القاطع ، والميزاب إذا اشتدّ جريان مائه ، والجلَّاد الَّذي يقيم الحدود ، والمطر الغزير ، فيقال في كلّ منها انّه مسحل أي وسيلة للكشط والنزع .
فلا بدّ من لحاظ هذا القيد في كلّ من مصاديق الأصل .
وأمّا الساحل : فمعناه الحقيقيّ هو الأمواج المتحرّكة الشديدة الَّتي تتعدى وتتحرّك في سطح ماء البحر ، وتكشط من الشاطئ . وإطلاقه على الشاطئ مجاز باعتبار انتهاء الساحل ومروره عليه .
* ( وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيه ِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيه ِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِه ِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْه ُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَه ُ ) * - 20 / 39 .
فيوحي اللَّه تعالى إلى أمّ موسى أن تلقيه في تابوت ، ثم يلقى التابوت في البحر ، وأمر البحر بأن يلقيه ويسلَّمه بالساحل ، حتّى يجعل تحت اختيار الساحل وفي محدودة جريانه ، فيسوقه إلى ما يشاء اللَّه تعالى .
ولا يصحّ التفسير بالشاطئ : فاوّلا - إنّه خلاف حقيقة مفهوم اللفظ .
وثانيا - إنّ البحر لا يلقي بالشاطئ بل الملقي هو الساحل .
وثالثا - إنّ التعبير بالأخذ قرينة على كون التابوت في الساحل لا على الشاطئ .
ورابعا - إنّ خدمة فرعون أخذوا التابوت من الماء لا من الشاطئ .
وهذا المورد من الموارد الَّتي اشتبه المعنى الأصيل على المفسّرين ، وأخذوا المفهوم المجازيّ المستعمل فيه عرفا من دون تحقيق ، واتّبع كلّ متأخّر عمّا في كتب الماضين تقليدا ، وكم له من نظير .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 74
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٧٤