ولم يعبّر بقوله - نسلخ منه الليل : بالنسبة إلى النهار - فانّ الأصل في المادّة هو الظلمة ، كما أنّ الأصل في عالم الروحانيّة هو النور ، فالضوء عارض في المادّة ، كما في الأرض وما فيها ، وأمّا الثوابت والشموس : فانّ الضياء فيها إمّا بالانعكاس أيضا ، أو في أثر الحركة في الأجزاء ، فانّ الحرارة والنور يتحصّلان في المادّة بالحركة ، وإذا فقدت الحركة ينعدم النور والحرارة ، كما فصّل في محلَّه .
ونقول أيضا : إنّ النظر في الآية الكريمة إلى الأرض وساكنيها ، والى الليل والنهار المتعاقبين فيها ، لا إلى مطلق عالم المادّة .
* ( الْحَمْدُ لِلَّه ِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) * - 6 / 1 .
أي يعدلون عن النور إلى الظلمات .
* ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناه ُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها ) * - 7 / 175 .
الآية عبارة عمّا يكون وسيلة في التوجّه والوصول إلى المقصود ، والمرتبة العالية الحقيقيّة منها ما يكون تكوينيّا روحانيّا ، أو من جهة الروحانيّة ، أو أمرا من عنده تعالى كروح وفيض ومعرفة ونور وتجلَّي مقام وصفة .
فايتاء الآيات من اللَّه تعالى عبارة عن فيض ونور يتجلَّى في قلب العبد يتنوّر به ويجعله وسيلة في السير إلى اللَّه تعالى والوصول اليه .
والانسلاخ من جلباب الرحمة والنور إنّما يكون بتقصير وعصيان وسوء اختيار ، ولهذا عبّر بالانسلاخ دون السلخ من اللَّه العزيز .
* ( فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) * - 9 / 5 .
الشهر عبارة عن امتداد زمان يبتدئ برؤية الهلال إلى آخر زمان من غيبته قبل رؤيته ثانيا ، فهذه المدّة من حركة القمر إلى آخر نقطة من دائرة حول الأرض يسمّى بالشهر ، وكلّ شهر يعنون بعنوان مناسب له ، والأشهر الحرم شهر رجب وذي القعدة وذي الحجّة ومحرّم ، فبانتهاء محرّم ينتهي عنوان الأشهر الحرم ، فكأنّ هذا العنوان محيط بهذه المدّة المعيّنة .
فظهر أنّ السلخ أعمّ من أن يكون في ماديّ أو في غيره ، وإطلاقه في جميع هذه
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 172
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٧٢