ومن خواصه أنه كان لا يقبل الوصية ولا يتولى الأوقاف ، وأعظم من ذلك أنه
لم يحكم في قضية قط ولا أفتى بما يخالف الاحتياط مدة عمره ، وكان من يفصل
الدعاوي العظيمة بأحسن وجه بلا تحليف ولا حكم . وهذا من كراماته الظاهرة .
كان أشبه الناس بالسيد جمال الدين علي بن طاوس بالورع عن الحكم
والفتوى وفي الزهد والمراقبة لمولاه والمجاهدة ومحاسبة النفس . وكان من
أعلم الناس بعلم تهذيب الأخلاق ، وكم له من الرياضات الشرعية .
وكان عالما بالحديث والتفسير ، عالي الأنظار في الأصولين مصنفا فيهما ،
كثر الاستحضار في الفقه حسن المسلك فيه ، خبيرا بالطب والرياضيات وعلم
الأوائل ، وله في علم الطب أرجوزة ضمنها نفائس مطالب الطب والعرفان لم
ينسج على منواله ناسج ، أولها :
علم طب ميزان أحوال بدن * نيست مشكل طب را عالم شدن
انما الاشكال في رد الطبيب * صحة زالت بترحال الحبيب
وله في علم الكلام رسالة أملاها على بعض تلامذته من دون مراجعة كتاب ،
أولها بعد البسملة والحمدلة " هذه سطور تنتظم في بيان المعارف الخمس ،
أعني أصول الدين " الخ .
وكان حسن التقرير جيد التحرير ، قل نظيره في أهل العلم في حسن البيان
وتحرير المطالب ، لكنه لعلو فكره وجربزة فهمه لا يرتضي تحريراته ، وكلها
كتب كتابة عاد إليها وغيرها ، لا يتمكن من اتمام كتاب على ما يريد .
واتفق أنه ترك التدريس والخروج إلى صلاة الجماعة ، وصار لا يخرج من
الدار الا في آخر الليل ، يخرج لزيارة الامام الكاظمين عليهما السلام . وصار
لا يدخل على أحد ولا يراود أحد واشتغل بنفسه وانغمر بفكره . واستمر على
ذلك أكثر من سنتين ، ثم عاد إلى التدريس والصلاة والقيام بحوائج الناس
تكملة أمل الآمل — صفحة 426
مساهمون: السيد أحمد الحسيني
ص٤٢٦