السبك والانتقاد ، إلا أن كتاب أبي داود أحسن وضعا ، وأكثر فقها ،
وكتاب أبي عيسى أيضا كتاب حسن ، والله تعالى يغفر لجماعتهم ،
ويحسن على جميل النية فيما سعوا له مثوبتهم برحمته .
ثم اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام : حديث
صحيح ، وحديث حسن ، وحديث سقيم .
فالصحيح عندهم : ما اتصل سنده وعدلت نقلته .
والحسن منه : ما عرف مخرجه ، واشتهر رجاله ، وعليه مدار
أكثر الحديث ، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء .
وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث .
فأما السقيم منه ، فعلى طبقات شرها الموضوع ، ثم
المقلوب ( 1 ) ، ثم المجهول . وكتاب أبي داود خلي منها ، برئ من
جملة وجوهها ، وإن وقع فيه شئ من بعض أقسامها لضرب من الحاجة
تدعوه إلى ذكره ، فإنه لا يألو أن يبين أمره ، ويذكر علته ، ويخرج من
عهدته .
قال : ويحكى لنا عن أبي داود أنه قال : ما ذكرت في كتابي
حديثا اجتمع الناس على تركه .
قال : وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع
والمسانيد ونحوهما ، فتجمع تلك الكتب إني ما فيها من السنن
والاحكام أخبارا وقصصا ومواعظ وآدابا ( 2 ) . فأما السنن المحضة فلم
هامش
( 1 ) المقلوب نوعان ، الأول : أن يكون الحديث مشهورا براو فيجعل في مكانه آخر في طبقته ، والثاني : أن
يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر وبالعكس . ( انظر التفاصيل في تدريب الراوي : 191 فما بعد ) .
( 2 ) تضم كتب " الجوامع " جميع أبواب الحديث المعروفة وهي : العقائد ، والاحكام ، والرقائق ، وآداب
الطعام والشراب ، والتفسير والتاريخ والسير ، والشمائل ، والفتن ، والمناقب : أما المسانيد جمع مسند فهي تضم
جميع أبواب الحديث أيضا لكنها مرتبة على أسماء الصحابة ، لذلك قال الخطابي هذه المقالة .