وأما السنة ، فإن الله تعالى وفق لها حفاظا عارفين ، وجهابذة
عالمين ، وصيارفة ناقدين ، ينفون عنها تحريف الغالين ، وانتحال
المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، فتنوعوا في تصنيفها ، وتفننوا في تدوينها على
أنحاء كثيرة وضروب عديدة ، حرصا على حفظها ، وخوفا من إضاعتها ،
وكان من أحسنها تصنيفا ، وأجودها تأليفا ، وأكثرها صوابا ، وأقلها
خطأ ، وأعمها نفعا ، وأعودها فائدة ، وأعظمها بركة ، وأيسرها
مؤونة ، وأحسنها قبولا عند الموافق والمخالف وأجلها موقعا عند الخاصة
والعامة : صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، ثم
صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ، ثم بعدهما
كتاب السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، ثم كتاب
الجامع لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، ثم كتاب السنن لأبي
عبد الرحمان أحمد بن شعيب النسائي ، ثم كتاب السنن لأبي عبد الله
محمد بن يزيد المعروف بابن ماجة القزويني وإن لم يبلغ درجتهم .
ولكل واحد من هذه الكتب الستة مزية يعرفها أهل هذا الشأن ،
فاشتهرت هذه الكتب بين الأنام ، وانتشرت في بلاد الاسلام ، وعظم
الانتفاع بها ، وحرص طلاب العلم على تحصيلها ، وصنفت فيها
تصانيف ، وعلقت عليها تعاليق ، بعضها في معرفة ما اشتملت عليه من
المتون ، وبعضها في معرفة ما احتوت عليه من الأسانيد ، وبعضها في
مجموع ذلك . وكان من جملة ذلك كتاب " الكمال " ( 1 ) الذي صنفه
الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي
رحمة الله عليه في معرفة أحوال الرواة الذين اشتملت عليهم هذه
الكتب الستة . وهو كتاب نفيس ، كثير الفائدة ، لكن لم يصرف مصنفه
رحمه الله عنايته إليه حق صرفها ، ولا استقصى الأسماء التي اشتملت
هامش
( 1 ) تمام اسم الكتاب كما هو مشهور : " الكمال في أسماء الرجال " .