محدث ( 1 ) .
فإن قيل : إنه يرى قس غير مكان . فهذا لا يعقل ، بل فيه
نفي الرؤية ( 2 ) ، وقد قال تعالى : * ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك
الأبصار ) * [ الأنعام : 103 ] ، فنفى نفيا عاما لجميع المكلفين ،
و [ لجميع ] أوقات الدنيا والآخرة ( 3 ) .
هامش
( 1 ) - يعني المؤلف أنه إذا كان الله تعالى سوف يرى فلا بد أن يرى في مكان
والأماكن محدودة ، وما كان فهو محدود محدث .
( 2 ) - القول بأن الله يرى القيامة بحدق العيون يترتب عليه محاذير كثيرة
منها : التجسيم والحدوث والتشبيه ، والله منزه عن جميع ذلك ، فلذا احتار
القائلون بأن الله يرى فتارة يلجأون إلى القول بأنه يرى في غير مكان ، وتارة
يقولون يرى بغير حدق العيون ، وأخرى يقولون يرى بلا كيف ، ولا يقول بأنه
يرى بحدق العيون أو في جهة من الجهات إلا شواذ من المجسمة والمشبهة .
وما ذكر من الأدلة في إثبات الرؤية لا تعني ذلك في شئ ، وقد طول المؤلف في
هذا المبحث في كتابه ينابيع النصيحة .
( 3 ) - يشير المؤلف هنا إلى ما يتشبث به القائلون بالرؤية من أن المراد بقوله :
* ( لا تدركه الأبصار ) * نفي الرؤية في الدنيا فقط والقرائن لا تساعدهم على
ذلك فالنفي عام والجميع متفقون على أن ما نفى الله عن نفسه من صفات
النقص منتف عنه في الدنيا والآخرة ، ونحن نعتبر أن إمكانية رؤيته صفة نقص
لأنه بذلك يشابه المحدودات المرئيات وهو يقول : * ( ليس كمثله شئ ) * .
واحتجاج المخالفين بقوله تعالى : * ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) * غير
صحيح ، لأن المراد بالناضرة الجميلة المشرقة ، وإلى بها ناظرة أي إلى رحمة
ربها منتظرة ، وذلك وارد بكثرة في كلام العرب ، قال حسان :
وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمن يأتي بالخلاص
وأما احتجاجهم بحديث : " سترون ربكم يوم القيامة كالقمر ليلة البدر " ،
فغير مجد لما في سنده من مقال ، وما في متنه من شذوذ ، ليس هذا موضع
ذكرها وإن صح فهو آحاد لا يعمل به في الأصول إضافة إلى أنه قد يكون
المراد بقوله ( سترون ) : ستعلمون ، كما في قوله تعالى : * ( ألم تر كيف فعل ربك
بأصحاب الفيل ) * أي : ألم تعلم .