تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن المجيد — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
قال اللَّه تعالى : * ( وبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّه ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) * ، يعنى به : ظهر لهم من أفعال اللَّه تعالى بهم ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم . وقال : * ( وبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ) * ، يعني : ظهر لهم جزاء كسبهم وبأنّ لهم ذلك ، وتقول العرب : قد بدا لفلان عمل حسن وبدا له كلام فصيح ، كما يقولون : بدا من فلان كذا ، فيجعلون اللام قائمة مقامه . فالمعنى في قول الإمامية : بدا للَّه في كذا ، أي ظهر له فيه ومعنى ظهر فيه أي ظهر منه ، وليس المراد منه تعقّب الرأي ووضوح أمر كان قد خفي عنه ، وجميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أن لم تكن فهي معلومة فيما لم يزل . وإنّما يوصف منها بالبداء ما لم يكن في الاحتساب ظهوره ، ولا في غالب الظنّ وقوعه ، فأمّا ما علم كونه وغلب في الظنّ حصوله ، فلا يستعمل فيه لفظ البداء . وقول أبي عبد اللَّه عليه السّلام : " ما بدا للَّه في شيء كما بدا له في إسماعيل ( 1 ) " ، فإنّما أراد به ما ظهر من اللَّه تعالى فيه من دفاع القتل عنه ، وقد كان مخوفا عليه من ذلك مظنونا به ، فلطف له في دفعه عنه . وقد جاء الخبر بذلك عن الصادق عليه السّلام ، فروي عنه عليه السّلام أنّه قال : " كان القتل قد كتب على إسماعيل مرّتين فسألت اللَّه في دفعه عنه فدفعه " . وقد يكون الشيء مكتوبا بشرط ، فيتغيّر الحال فيه . قال اللَّه تعالى : ثُمَّ قَضى أَجَلًا وأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَه ( 2 ) . فتبيّن أنّ الآجال على ضربين ، ضرب منها مشترط يصحّ فيه الزيادة والنقصان ، ألا ترى إلى قوله تعالى : وما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِه إِلَّا فِي كِتابٍ ( 3 ) ، وقوله تعالى : ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ ( 4 ) . فبينّ أنّ آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبرّ والانقطاع بالفسوق .
هامش
( 1 ) التوحيد : 336 / 10 ، كمال الدين : 69 . ( 2 ) الأنعام : 2 . ( 3 ) فاطر : 11 . ( 4 ) الأعراف : 96 .