وكانت الخطيئة من داود عليه السّلام أن طلب ذلك من أوريا بن حنّان وهو نبيّ وملك مطاع وأوريا رعية وتابع ، ولو سأل أوريا ذلك مثله من الرعية ، لما كان بسؤاله مخطئا ، لأنّه لم يكن يحدث له عند الامتناع من الجزع والخوف والهلع ما حدث له عند الامتناع من نبيه وملكه ورئيسه داود عليه السّلام ، وهذا الجواب غير بعيد ( 1 ) ، واللَّه نسأل التوفيق .
قال الشيخ أدام اللَّه عزّه : فإن قال قائل : أليس قد نطق القرآن بوقوع المعصية من نبيّ من أنبياء اللَّه سبحانه في حال نبوّته ، وهذا خلاف مذهبك في ارتفاع المعاصي عن الأنبياء كلَّهم والأئمة عليهم السّلام ، لأنّهم على أصلك معصومون من الذنوب والخطأ في الدين .
فالجواب : أنّ الذي أذهب إليه في هذا الباب ، أنّه لا يقع من أنبياء عليهم السّلام ذنب بترك واجب مفترض ، ولا يجوز عليهم خطأ في ذلك ، ولا سهو يوقعهم فيه ، وإن جاز منهم ترك نفل ومندوب إليه على غير القصد والتعمد ، ومتى وقع ذلك منهم عوجلوا بالتنبيه عليه ، فينزلون عنه في أسرع مدّة وأقرب زمان .
فأمّا نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله خاصّة ، والأئمّة من ذرّيّته عليهم السّلام ، فلم يقع منهم صغيرة بعد النبوّة والإمامة من ترك واجب ولا مندوب إليه ، لفضلهم على من تقدّمهم من الحجج عليهم السّلام ، وقد نطق القرآن بذلك ، وقامت الدلائل منه ومن غيره على ذلك للأئمّة من ذرّيّته عليهم السّلام . قال اللَّه تعالى وقد ذكر معصية آدم عليه السّلام : وعَصى آدَمُ رَبَّه فَغَوى ( 2 ) ، فسمّى المعصية غواية وذلك حكم كلّ معصية ، إذ كان فاعلها يخيب بفعلها من ثواب تركها ، وكانت الغواية هي الخيبة في وجه من الوجوه ، وعلى مفهوم اللغة قال الشاعر :
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره
ومن يغو لا يعدم على الغى لائما
وقال اللَّه سبحانه في آية الدين عند ذكر الشهود :
هامش
( 1 ) بل هذا الجواب بعيد ، ولا نكاد نصدق ورود هذا عن مثل داود عليه السلام وإنما اختلافات وأكاذيب من إسرائيليات أهل الكتاب ، وهل يشك مؤمن عاقل يقر بعصمة الأنبياء في استحالة صدور هذا عن داود عليه السلام ولو أن القصة كانت صحيحة لذهبت بعصمة داود ، ولنفرت منه الناس ، ولكان لهم العذر في عدم الإيمان به ، فلا يحصل المقصد الذي من أجله أرسل الرسل .
( 2 ) طه : 121 .