تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن المجيد — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
جعله اللَّه ميّتا إلَّا بعد ما كان حيّا وهذا بيّن لمن تأمّله . وقد زعم بعضهم : أنّ المراد بقوله : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ، الموتة التي يكون بعد حياتهم في القبور للمسألة ، فتكون الأولى قبل الإحياء والثانية بعده . وهذا أيضا باطل من وجه آخر ، وهو أنّ الحياة للمسألة ليست للتكليف ، فيندم الإنسان على ما فاته في حياته ، وندم القوم على ما فاتهم في حياتهم مرّتين ، يدلّ على أنّه لم يرد حياة المسألة لكنّه أراد حياة الرجعة التي تكون لتكليفهم والندم على تفريطهم ، فلم يفعلوا فيندمون يوم العرض على ما فاتهم من ذلك . والرجعة عندنا تختصّ بمن يمحّض الإيمان ويمحّض الكفر ، دون ما سوى هذين الفريقين ، فأراد اللَّه على من ذكرنا أو هم الشيطان أعداء اللَّه عزّ وجلّ ، إنّما ردّوا إلى الدنيا ، لطغيانهم على اللَّه فيزدادوا عتّوا ، فينتقم اللَّه تعالى منهم بأوليائه المؤمنين ، ويجعل لهم الكرّة عليهم ، فلا يبقى منهم أحد إلَّا وهو مغموم بالعذاب والنقمة والعقاب ، وتصفوا الأرض من الطغاة ، ويكون الدين للَّه تعالى . والرجعة ، إنّما هي لممحّضي الإيمان من أهل الملَّة ، وممحّضي النفاق منهم ، دون من سلف من الأمم الخالية . وقد قال بعض المخالفين لنا : كيف تعود كفّار الملَّة بعد الموت إلى طغيانهم ، وقد عاينوا عذاب اللَّه في البرزخ ، وتيقّنوا بذلك أنّهم مبطلون ؟ فقلت له : ليس ذلك بأعجب من الكفّار الذين يشاهدون في البرزخ ما يحلّ بهم من العذاب فيها ، ويعلمونه ضرورة بعد الموافقة لهم ، والاحتجاج عليهم بضلالهم ، فيقولون حينئذ : يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 1 ) ، فقال اللَّه : بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 2 ) . فلم يبق للمخالف بعد هذا الاحتجاج شبهة يتعلَّق بها فيما ذكرناه . والمنّة للَّه ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الأنعام : 27 . ( 2 ) الأنعام : 28 . ( 3 ) عدّة رسائل ( الرسالة السروية ) : 208 ، والمصنفات 7 : 32 .