رميها بصفوان ، وقذفوها بالفجور ، وارتكبوا في ذلك البهتان .
وكان منهم في ليلة العقبة من التنفير لناقته صلَّى اللَّه عليه وآله ، والاجتهاد في رميه عنها وقتله بذلك ما كان .
ثمّ لم يزالوا يكذّبون عليه صلَّى اللَّه عليه وآله في الأخبار حتّى بلغه ذلك ،
فقال : " كثرت الكذّابة عليّ فما أتاكم عنّي من حديث فأعرضوه على القرآن " ( 1 ) .
فلو لم يدّل على تهاونهم بالدين ، واستخفافهم بشرع نبيّهم صلَّى اللَّه عليه وآله ، إلَّا أنّهم كانوا قد تلقّوا عنه أحكام الإسلام على الاتّفاق ، فلمّا مضى صلَّى اللَّه عليه وآله من بينهم جاؤوا بجميعها على غاية الاختلاف ، لكفى في ظهور حالهم ووضح به أمرهم وبان ، فكيف وقد ذكرنا من ذلك طرفا يستبصر به أهل الاعتبار ، وإن عدلنا عن ذكر الأكثر إيثارا للاختصار .
فأمّا من كان منهم يظاهر النبي صلَّى اللَّه عليه وآله بالإيمان ، ممّن يقيم معه الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، وينفق في سبيل اللَّه ، ويحضر الجهاد ، ويباطنه بالكفر والعدوان ، فقد نطق بذكره القرآن كما نطق بذكر من ظهر منه النفاق :
قال اللَّه تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّه وهُوَ خادِعُهُمْ وإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) .
وقال جلّ اسمه فيهم : وما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّه وبِرَسُولِه ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وهُمْ كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إِلَّا وهُمْ كارِهُونَ ( 3 ) .
وقال تعالى : ومِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرابِ مُنافِقُونَ ومِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ( 4 ) .
وقال سبحانه : ولَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ واللَّه يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ( 5 ) .
هامش
( 1 ) الاحتجاج 2 : 447 .
( 2 ) النساء : 142 .
( 3 ) التوبة : 54 .
( 4 ) التوبة : 101 .
( 5 ) محمد ( ص ) : 30 .