تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
بِالْحَقِّ وأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ) * لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم فلذلك أنكروه ، وإنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا كراهة للحق .
ولَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( 71 ) * ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ ) * بأن كان في الواقع آلهة شتى . * ( لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ ) * كما سبق تقريره في قوله تعالى : * ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّه لَفَسَدَتا ) * . وقيل لو اتبع الحق أهواءهم وانقلب باطلا لذهب ما قام به العالم فلم يبق ، أو لو اتبع الحق الَّذي جاء به محمّد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أهواءهم وانقلب شركا لجاء اللَّه بالقيامة وأهلك العالم من فرط غضبه ، أو لو اتبع اللَّه أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك والمعاصي لخرج عن الألوهية ولم يقدر أن يمسك السماوات والأرض وهو على أصل المعتزلة . * ( بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ ) * بالكتاب الَّذي هو ذكرهم أي وعظهم أو صيتهم ، أو الذكر الَّذي تمنوه بقولهم * ( لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الأَوَّلِينَ ) * وقرئ « بذكراهم » . * ( فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ) * لا يلتفتون إليه .
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 ) وإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 73 ) * ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ ) * قيل إنه قسيم قوله * ( أَمْ بِه جِنَّةٌ ) * . * ( خَرْجاً ) * أجرا على أداء الرسالة . * ( فَخَراجُ رَبِّكَ ) * رزقه في الدنيا أو ثوابه في العقبى . * ( خَيْرٌ ) * لسعته ودوامه ففيه مندوحة لك عن عطائهم والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك ، والخراج غالب في الضريبة على الأرض ففيه إشعار بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ ولذلك عبر به عن عطاء اللَّه إياه ، وقرأ ابن عامر « خرجا فخرج » وحمزة والكسائي « خراجا فخراج » للمزاوجة . * ( وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) * تقرير لخيرية خراجه تعالى . * ( وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * تشهد العقول السليمة على استقامته لا عوج فيه يوجب اتهامهم له ، واعلم أنه سبحانه ألزمهم الحجة وأزاح العلة في هذه الآيات بأن حصر أقسام ما يؤدي إلى الإنكار والاتهام وبين انتفاءها ما عدا كراهة الحق وقلة الفطنة .
وإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ( 74 ) ولَوْ رَحِمْناهُمْ وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 75 ) * ( وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ ) * عن الصراط السوي . * ( لَناكِبُونَ ) * لعادلون عنه فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه . * ( وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ ) * يعني القحط . * ( لَلَجُّوا ) * لثبتوا واللجاج التمادي في الشيء . * ( فِي طُغْيانِهِمْ ) * إفراطهم في الكفر والاستكبار عن الحق وعداوة الرسول والمؤمنين . * ( يَعْمَهُونَ ) * عن الهدى ، روي أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز فجاء أبو سفيان إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : أنشدك اللَّه والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال : بلى فقال : قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت .
ولَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ ( 76 ) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيه مُبْلِسُونَ ( 77 ) * ( وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ ) * يعني القتل يوم بدر . * ( فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ ) * بل أقاموا على عتوهم