تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
بالعكس فإنهم أحقاء بأن يخافوا من بأس اللَّه على ما هم عليه بقوله :
وكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) * ( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ) * أي وكم من أهل قرية كانت حالهم كحالهم في الأمن وخفض العيش حتى أشروا فدمر اللَّه عليهم وخرب ديارهم . * ( فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ ) * خاوية . * ( لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً ) * من السكنى إذ لا يسكنها إلا المارة يوما أو بعض يوم ، أو لا يبقى من يسكنها من شؤم معاصيهم . * ( وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ) * منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر متصرفاتهم ، وانتصاب * ( مَعِيشَتَها ) * بنزع الخافض أو بجعلها ظرفا بنفسها كقولك : زيد ظني مقيم ، أو بإضمار زمان مضاف إليها أو مفعولا على تضمين بطرت معنى كفرت . * ( وَما كانَ رَبُّكَ ) * وما كانت عادته . * ( مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها ) * في أصلها الَّتي هي أعمالها ، لأن أهلها تكون أفطن وأنبل . * ( رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ) * لإلزام الحجة وقطع المعذرة . * ( وما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وأَهْلُها ظالِمُونَ ) * بتكذيب الرسل والعتو في الكفر .
وما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّه خَيْرٌ وأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) أَفَمَنْ وَعَدْناه وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيه كَمَنْ مَتَّعْناه مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 ) * ( وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) * من أسباب الدنيا . * ( فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها ) * تمتعون وتتزينون به مدة حياتكم المنقضية . * ( وما عِنْدَ اللَّه ) * وهو ثوابه . * ( خَيْرٌ ) * في نفسه من ذلك لأنه لذة خالصة وبهجة كاملة . * ( وأَبْقى ) * لأنه أبدي . * ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * فتستبدلون الَّذي هو أدنى بالذي هو خير ، وقرأ أبو عمرو بالياء وهو أبلغ في الموعظة . * ( أَفَمَنْ وَعَدْناه وَعْداً حَسَناً ) * وعدا بالجنة فإن حسن الوعد بحسن الموعود . * ( فَهُوَ لاقِيه ) * مدركه لا محالة لامتناع الخلف في وعده ، ولذلك عطفه بالفاء المعطية معنى السببية . * ( كَمَنْ مَتَّعْناه مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) * الَّذي هو مشوب بالآلام مكدر بالمتاعب مستعقب بالتحسر على الانقطاع . * ( ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) * للحساب أو العذاب ، و * ( ثُمَّ ) * للتراخي في الزمان أو الرتبة ، وقرأ نافع وابن عامر في رواية والكسائي * ( ثُمَّ هُوَ ) * بسكون الهاء تشبيها للمنفصل بالمتصل ، وهذه الآية كالنتيجة للتي قبلها ولذلك رتبت عليها بالفاء .
ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 62 ) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ( 63 ) * ( وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ) * عطف على يوم القيامة أو منصوب باذكر . * ( فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) * أي الذين كنتم تزعمونهم شركائي ، فحذف المفعولان لدلالة الكلام عليهما . * ( قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) * بثبوت مقتضاه وحصول مؤداه وهو قوله تعالى : * ( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) * وغيره من آيات الوعيد . * ( رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا ) * أي * ( هؤُلاءِ الَّذِينَ ) * أغويناهم فحذف الراجع إلى الموصول . * ( أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا ) * أي * ( أَغْوَيْناهُمْ ) * فغووا غيا مثل ما غوينا ، وهو استئناف للدلالة على أنهم غووا باختيارهم وأنهم لم يفعلوا بهم إلا وسوسة وتسويلا ، ويجوز أن يكون * ( الَّذِينَ ) * صفة
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 182 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي