ولعل سليمان عليه الصلاة والسلام مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية التخيل الَّذي صوته والغرض الَّذي توخاه به . ومن ذلك ما حكي أنه مر ببلبل يصوت ويترقص فقال : يقول إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء ، وصاحت فاختة فقال : إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا ، فلعله كان صوت البلبل عن شبع وفراغ بال وصياح الفاختة عن مقاساة شدة وتألم قلب ، والضمير في * ( عُلِّمْنا ) * * ( وأُوتِينا ) * له ولأبيه عليهما الصلاة والسلام أوله وحده على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة ، والمراد * ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) * كثرة ما أوتي كقولك :
فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء . * ( إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) * الَّذي لا يخفى على أحد .
* ( وَحُشِرَ ) * وجمع * ( لِسُلَيْمانَ جُنُودُه مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ والطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) * يحبسون بحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا .
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وجُنُودُه وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاه وأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 )
* ( حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ ) * واد بالشأم كثير النمل ، وتعدية الفعل إليه ب * ( عَلى ) * إما لأن إتيانهم كان من عال أو لأن المراد قطعه من قولهم : أتى على الشيء إذا أنفده وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا أخريات الوادي . * ( قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ) * كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيرها فصاحت صيحة نبهت بها ما بحضرتها من النمال فتبعتها ، فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك أجروا مجراهم مع أنه لا يمتنع أن خلق اللَّه سبحانه وتعالى فيها العقل والنطق .
* ( لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وجُنُودُه ) * نهي لهم عن الحطم ، والمراد نهيها عن التوقف بحيث يحطمونها كقولهم : لا أرينك ها هنا ، فهو استئناف أو بدل من الأمر لا جواب له فإن النون لا تدخله في السعة . * ( وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) * بأنهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والإيذاء . وقيل استئناف أي فهم سليمان والقوم لا يشعرون .
* ( فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها ) * تعجبا من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى مصالحها ، وسرورا بما خصه اللَّه تعالى به من إدراك همسها وفهم غرضها ولذلك سأل توفيق شكره . * ( وقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) * أي اجعلني أزع شكر نعمتك عندي ، أي أكفه وأرتبطه لا ينفلت عني بحيث لا أنفك عنه ، وقرأ البزي وورش بفتح ياء * ( أَوْزِعْنِي ) * . * ( الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ ) * أدرج فيه ذكر والديه تكثيرا للنعمة أو تعميما لها ، فإن النعمة عليهما نعمة عليه والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدينية . * ( وأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاه ) * إتماما للشكر واستدامة للنعمة . * ( وأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ) * في عدادهم الجنة .
وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لأُعَذِّبَنَّه عَذاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّه أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 )
* ( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ) * وتعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد . * ( فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ) * أم منقطعة كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره فقال : ما لي لا أراه ، ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول أهو غائب كأنه يسأل عن صحة ما لاح له .
* ( لأُعَذِّبَنَّه عَذاباً شَدِيداً ) * كنتف ريشه وإلقائه في الشمس ، أو حيث النمل يأكله أو جعله مع ضده في قفص . * ( أَوْ لأَذْبَحَنَّه ) * ليعتبر به أبناء جنسه . * ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) * بحجة تبين عذره ، والحلف في الحقيقة