تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وإشعارا بما هو المانع للبشرى والموجب لما يقابلها . * ( ويَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ) * عطف على المدلول أي ويقول الكفرة حينئذ ، هذه الكلمة استعاذة وطلبا من اللَّه تعالى أن يمنع لقاءهم وهي مما كانوا يقولون عند لقاء عدو أو هجوم مكروه ، أو تقولها الملائكة بمعنى حراما محرما عليكم الجنة أو البشرى . وقرئ « حجرا » بالضم وأصله الفتح غير أنه لما اختص بموضع مخصوص غير كقعدك وعمرك ولذلك لا يتصرف فيه ولا يظهر ناصبه ، ووصفه ب * ( مَحْجُوراً ) * للتأكيد كقولهم : موت مائت . * ( وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناه هَباءً مَنْثُوراً ) * أي وعمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم كقرى الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره ، وهو تشبيه حالهم وأعمالهم بحال قوم استعصوا على سلطانهم فقدم إلى أشيائهم فمزقها وأبطلها ولم يبق لها أثرا ، وال * ( هَباءً ) * غبار يرى في شعاع يطلع من الكوة من الهبوة وهي الغبار ، و * ( مَنْثُوراً ) * صفته شبه عملهم المحبط بالهباء في حقارته وعدم نفعه ثم بالمنثور منه في انتثاره بحيث لا يمكن نظمه أو تفرقه نحو أغراضهم الَّتي كانوا يتوجهون به نحوها ، أو مفعول ثالث من حيث إنه كالخبر بعد الخبر كقوله تعالى : * ( كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) * .
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 ) * ( أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ) * مكانا يستقر فيه أكثر الأوقات للتجالس والتحادث . * ( وأَحْسَنُ مَقِيلاً ) * مكانا يؤوى إليه للاسترواح بالأزواج والتمتع بهن تجوزا له من مكان القيلولة على التشبيه ، أو لأنه لا يخلو من ذلك غالبا إذ لا نوم في الجنة وفي أحسن رمز إلى ما يتميز به مقيلهم من حسن الصور وغيره من التحاسين ، ويحتمل أن يراد بأحدهما المصدر أو الزمان إشارة إلى أن مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة ، والتفضيل إما لإرادة الزيادة مطلقا أو بالإضافة إلى ما للمترفين في الدنيا . روي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار .
ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ ونُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً ( 26 ) * ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ ) * أصله تتشقق فحذفت التاء ، وأدغمها ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب . * ( بِالْغَمامِ ) * بسبب طلوع الغمام منها وهو الغمام المذكور في قوله * ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّه فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ والْمَلائِكَةُ ) * . * ( ونُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ) * في ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد ، وقرأ ابن كثير « وننزل » وقرئ « ونزلت » « وأنزل » « ونزل الملائكة » بحذف نون الكلمة . * ( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ ) * الثابت له لأن كل ملك يبطل يومئذ ولا يبقى إلا ملكه فهو الخبر و * ( لِلرَّحْمنِ ) * صلته ، أو تبيين و * ( يَوْمَئِذٍ ) * مفعول * ( الْمُلْكُ ) * لا * ( الْحَقُّ ) * لأنه متأخر أو صفته والخبر * ( يَوْمَئِذٍ ) * أو * ( لِلرَّحْمنِ ) * . * ( وكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً ) * شديدا .
ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْه يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلإِنْسانِ خَذُولاً ( 29 ) * ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْه ) * من فرط الحسرة ، وعض اليدين وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما ، والمراد ب * ( الظَّالِمُ ) * الجنس . وقيل عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فدعاه إلى ضيافته فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل ، وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال صبأت فقال : لا ، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحيت منه