تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
أخويه والحادث رزؤهما لأن رزأه كان قاعدة المصيبات وكان غضا آخذا بمجامع قلبه ، ولأنه كان واثقا بحياتهما دون حياته ، وفي الحديث : « لم تعط أمة من الأمم * ( إِنَّا لِلَّه وإِنَّا إِلَيْه راجِعُونَ ) * عند المصيبة إلا أمة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم » . ألا ترى إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال * ( يا أَسَفى ) * . * ( وَابْيَضَّتْ عَيْناه مِنَ الْحُزْنِ ) * لكثرة بكائه من الحزن كأن العبرة محقت سوادهما . وقيل ضعف بصره . وقيل عمي ، وقرئ « من الحزن » وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع ، ولعل أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ، ولقد بكى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على ولده إبراهيم وقال : « القلب يجزع والعين تدمع ، ولا نقول ما يسخط الرب ، وإنما عليك يا إبراهيم لمحزونون » . * ( فَهُوَ كَظِيمٌ ) * مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره ، فعيل بمعنى مفعول كقوله تعالى : * ( وهُوَ مَكْظُومٌ ) * من كظم السقاء إذا شده على ملئه ، أو بمعنى فاعل كقوله : * ( والْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) * من كظم الغيظ إذا اجترعه ، وأصله كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه .
قالُوا تَاللَّه تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) * ( قالُوا تَاللَّه تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ ) * أي لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعا عليه ، فحذف لا كما في قوله : فقلت يمين اللَّه أبرح قاعدا لأنه لا يلتبس بالإثبات ، فإن القسم إذا لم يكن معه علامات الإثبات كان على النفي . * ( حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً ) * مريضا مشفيا على الهلاك . وقيل الحرض الذي إذا به هم أو مرض ، وهو في الأصل مصدر ولذلك لا يؤنث ولا يجمع والنعت بالكسر كدنف ودنف . وقد قرئ به وبضمتين كجنب . * ( أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ) * من الميتين .
قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي إِلَى اللَّه وأَعْلَمُ مِنَ اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وأَخِيه ولا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّه إِنَّه لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّه إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) * ( قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي ) * همي الذي لا أقدر الصبر عليه من البث بمعنى النشر . * ( إلَى اللَّه ) * لا إلى أحد منكم ومن غيركم ، فخلوني وشكايتي . * ( أَعْلَمُ مِنَ اللَّه ) * من صنعه ورحمته فإنه لا يخيب داعيه ولا يدع الملتجئ إليه ، أو من اللَّه بنوع من الإلهام . * ( ما لا تَعْلَمُونَ ) * من حياة يوسف . قيل رأى ملك الموت في المنام فسأله عنه فقال هو حي . وقيل علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى يخر له إخوته سجدا . * ( يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وأَخِيه ) * فتعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما والتحسس تطلب الإحساس : * ( ولا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّه ) * ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه . وقرئ « من روح اللَّه » أي من رحمته التي يحيي بها العباد . * ( إِنَّه لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّه إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) * باللَّه وصفاته فإن العارف المؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال .
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْه قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وأَهْلَنَا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّه يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( 88 ) * ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْه قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ) * بعد ما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية . * ( مَسَّنا وأَهْلَنَا الضُّرُّ ) * شدة الجوع . * ( وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ) * رديئة أو قليلة ترد وتدفع رغبة عنها ، من أزجيته إذا دفعته ومنه تزجية الزمان .