تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وقيل : المراد بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه اللَّه . وبالتجارة صرفه فيما يرضاه . وقرأ الكوفيون * ( تِجارَةً ) * بالنصب على كان الناقصة وإضمار الاسم أي إلا أن تكون التجارة أو الجهة تجارة . * ( ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) * بالبخع كما تفعله جهلة الهند ، أو بإلقاء النفس إلى التهلكة . ويؤيده ما روي : أن عمرو بن العاص تأوله التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أو بارتكاب ما يؤدي إلى قتلها . أو باقتراف ما يذللها ويرديها فإنه القتل الحقيقي للنفس . وقيل المراد بالأنفس من كان من أهل دينهم ، فإن المؤمنين كنفس واحدة . جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم ريثما تستكمل النفوس ، وتستوفي فضائلها رأفة بهم ورحمة كما أشار إليه بقوله : * ( إِنَّ اللَّه كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) * أي أمر ما أمر ونهى عما نهى لفرط رحمته عليكم . وقيل : معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيما لما أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه .
ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيه ناراً وكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيراً ( 30 ) * ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ) * إشارة إلى القتل ، أو ما سبق من المحرمات . * ( عُدْواناً وظُلْماً ) * إفراطا في التجاوز عن الحق وإتيانا بما لا يستحقه . وقيل أراد بالعدوان التعدي على الغير ، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب . * ( فَسَوْفَ نُصْلِيه ناراً ) * ندخله إياها . وقرئ بالتشديد من صلى ، وبفتح النون من صلاه يصليه . ومنه شاة مصلية ، ويصليه بالياء والضمير للَّه تعالى أو لذلك من حيث إنه سبب الصلي . * ( وكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيراً ) * لا عسر فيه ولا صارف عنه .
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ونُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ( 31 ) * ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه ) * كبائر الذنوب التي نهاكم اللَّه ورسوله عنها ، وقرئ « كبير » على إرادة الجنس . * ( نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) * نغفر لكم صغائركم ونمحها عنكم . واختلف في الكبائر ، والأقرب أن الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه حدا أو صرح بالوعيد فيه . وقيل ما علم حرمته بقاطع . وعن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « أنها سبع : الإشراك باللَّه ، وقتل النفس التي حرم اللَّه ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، والربا ، والفرار من الزحف ، وعقوق الوالدين » . وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : ( الكبائر إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع ) . وقيل أراد هاهنا أنواع الشرك لقوله : إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * وقيل صغر الذنوب وكبرها بالإضافة إلى ما فوقها وما تحتها ، فأكبر الكبائر الشرك وأصغر الصغائر حديث النفس وبينهما وسائط يصدق عليها الأمران ، فمن عن له أمران منها ودعت نفسه إليهما بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرهما كفر عنه ما ارتكبه لما استحق من الثواب على اجتناب الأكبر . ولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال ، ألا ترى أنه تعالى عاتب نبيه عليه الصلاة والسلام في كثير من خطراته التي لم تعد على غيره خطيئة فضلا عن أن يؤاخذه عليها . * ( ونُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) * الجنة وما وعد من الثواب ، أو إدخالا مع كرامة . وقرأ نافع هنا وفي الحج بفتح الميم وهو أيضا يحتمل المكان والمصدر .
ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّه بِه بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وسْئَلُوا اللَّه مِنْ فَضْلِه إِنَّ اللَّه كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 32 ) * ( وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّه بِه بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ) * من الأمور الدنيوية كالجاه والمال ، فلعل عدمه خير والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي ، معربة عن عدم الرضا بما قسم اللَّه له ، وأنه تشه لحصول