تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
اشتراط الصبر والتقوى عن المخالفة ، فلما لم يصبروا عن الغنائم وخالفوا أمر الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم تنزل الملائكة . * ( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ) * إنكار أن لا يكفيهم ، ذلك وإنما جيء بلن إشعارا بأنهم كانوا كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم . قيل أمدهم اللَّه يوم بدر أولا بألف من الملائكة ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف . وقرأ ابن عامر * ( مُنْزَلِينَ ) * بالتشديد للتكثير أو للتدريج .
بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ( 125 ) * ( بَلى ) * إيجاب لما بعد لن ، أي بلى يكفيكم . ثم وعد لهم الزيادة على الصبر والتقوى حثا عليهما وتقوية لقلوبهم فقال : * ( إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ ) * أي المشركون . * ( مِنْ فَوْرِهِمْ هذا ) * من ساعتهم هذه ، وهو في الأصل مصدر من فارت القدر إذ غلت ، فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا ريث فيها ولا تراخي ، والمعنى إن يأتوكم في الحال . * ( يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ ) * في حال إتيانهم بلا تراخ ولا تأخير . * ( مُسَوِّمِينَ ) * معلمين من التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء لقوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه . « تسوموا فإن الملائكة قد تسومت » . أو مرسلين من التسويم بمعنى الأسامة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو .
وما جَعَلَه اللَّه إِلَّا بُشْرى لَكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِه ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ( 127 ) * ( وَما جَعَلَه اللَّه ) * وما جعل إمدادكم بالملائكة . * ( إِلَّا بُشْرى لَكُمْ ) * إلا بشارة لكم بالنصر . * ( ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِه ) * ولتسكن إليه من الخوف . * ( ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * لا من العدة والعدد ، وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد وإنما أمدهم ووعد لهم به بشارة لهم وربطا على قلوبهم ، من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر ، وحثا على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم . * ( الْعَزِيزِ ) * الذي لا يغالب في أقضيته . * ( الْحَكِيمِ ) * الذي ينصر ويخذل بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة والمصلحة . * ( لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * متعلق بنصركم ، أو * ( ومَا النَّصْرُ ) * إن كان اللام فيه للعهد ، والمعنى لينقص منهم بقتل بعض وأسر آخرين ، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من صناديدهم . * ( أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) * أو يخزيهم ، والكبت شدة الغيظ ، أو وهن يقع في القلب ، وأو للتنويع دون الترديد * ( فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ) * فينهزموا منقطعي الآمال .
لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 ) * ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) * اعتراض . * ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ) * عطف على قوله أو يكبتهم ، والمعنى أن اللَّه مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا وليس لك من أمرهم شيء ، وإنما أنت عبد مأمور لإنذارهم وجهادهم . ويحتمل أن يكون معطوفا على الأمر أو شيء بإضمار أن ، أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء . أوليس لك من أمرهم شيء ، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم . وأن تكون أو بمعنى إلا أن . أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب اللَّه عليهم فتسر به أو يعذبهم فتتشفى منهم . روي ( أن عتبة بن أبي وقاص شجه يوم أحد وكسر رباعيته ، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم ) فنزلت . وقيل هم أن يدعوا عليهم فنهاه