تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
حَنِيفاً ) * أي ملة الإسلام التي هي في الأصل ملة إبراهيم ، أو مثل ملته حتى تتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف والمكابرة لتسوية الأغراض الدنيوية ، وألزمتكم تحريم طيبات أحلها اللَّه لإبراهيم ومن تبعه . * ( وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * فيه إشارة إلى أن اتباعه واجب في التوحيد الصرف والاستقامة في الدين والتجنب عن الإفراط والتفريط ، وتعريض بشرك اليهود .
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) * ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ) * أي وضع للعبادة وجعل متعبدا لهم ، والواضع هو اللَّه تعالى . ويدل عليه أنه قرئ على البناء للفاعل . * ( لَلَّذِي بِبَكَّةَ ) * للبيت الذي * ( بِبَكَّةَ ) * ، وهي لغة في مكة كالنبيط والنميط ، وأمر راتب وراتم ولازب ولازم ، وقيل هي موضع المسجد . ومكة البلد من بكة إذا زحمه ، أو من بكه إذا دقه فإنها تبك أعناق الجبابرة روي ( أنه عليه السلام سئل عن أول بيت وضع للناس فقال : المسجد الحرام ، ثم بيت المقدس . وسئل كم بينهما فقال أربعون سنة ) . وقيل أول من بناه إبراهيم ثم هدم فبناه قوم من جرهم ، ثم العمالقة ، ثم قريش . وقيل هو أول بيت بناه آدم فانطمس في الطوفان ، ثم بناه إبراهيم . وقيل : كان في موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح يطوف به الملائكة ، فلما أهبط آدم أمر بأن يحجه ويطوف حوله ورفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السماوات وهو لا يلائم ظاهر الآية . وقيل المراد إنه أول بيت بالشرف لا بالزمان . * ( مُبارَكاً ) * كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره واعتكف دونه وطاف حوله ، حال من المستكن في الظرف * ( وهُدىً لِلْعالَمِينَ ) * لأنه قبلتهم ومتعبدهم ، ولأن فيه آيات عجيبة كما قال :
فِيه آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْه سَبِيلاً ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 ) * ( فِيه آياتٌ بَيِّناتٌ ) * كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار ، وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرض لها ، وإن كل جبار قصده بسوء قهره اللَّه كأصحاب الفيل . والجملة مفسرة للهدى ، أو حال أخرى . * ( مَقامُ إِبْراهِيمَ ) * مبتدأ محذوف خبره أي منها مقام إبراهيم ، أو بدل من آيات بدل البعض من الكل . وقيل عطف بيان على أن المراد بالآيات أثر القدم في الصخرة الصماء وغوصها فيها إلى الكعبين ، وتخصيصها بهذه الإلانة من بين الصخار وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة . ويؤيده أنه قرئ « آية » بينة على التوحيد . وسبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه . * ( ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً ) * جملة ابتدائية ، أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام لأنه في معنى أمن من دخله أي ومنها أمن من دخله ، أو فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله . اقتصر بذكرهما من الآيات الكثيرة وطوى ذكر غيرهما كقوله عليه السلام « حبب إليّ من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة » لأن فيها غنية عن غيرها في الدارين بقاء الأثر مدى الدهر والأمن من العذاب يوم القيامة ، قال عليه السلام : « من مات في أحد الحرمين ، بعث يوم القيامة آمنا » . وعند أبي حنيفة من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما والتجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولكن ألجئ إلى الخروج . * ( ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) * قصده للزيارة على الوجه المخصوص . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص * ( حِجُّ ) * بالكسر وهو لغة نجد . * ( مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْه سَبِيلاً ) * بدل من الناس بدل البعض من الكل مخصص له ، وقد فسر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الاستطاعة « بالزاد والراحلة » وهو يؤيد قول الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه إنها بالمال ، ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه . وقال مالك رحمه اللَّه تعالى إنها بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق . وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى إنها
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 29 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي