تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
فيها جميع الأمة كالعلم بالأحكام ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها والتمكن من القيام بها . خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأسا أثموا جميعا ولكن يسقط بفعل بعضهم ، وهكذا كل ما هو فرض كفاية . أو للتبيين بمعنى وكونوا أمة يدعون كقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) * . والدعاء إلى الخير يعم الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي ، وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عطف الخاص على العام للإيذان بفضله . * ( وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * المخصوصون بكمال الفلاح وروي أنه عليه السلام سئل من خير الناس فقال : « آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم للَّه وأوصلهم للرحم » . والأمر بالمعروف يكون واجبا ومندوبا على حسب ما يؤمر به . والنهي عن المنكر واجب كله لأن جميع ما أنكره الشرع حرام . والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر .
ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) * ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا ) * كاليهود والنصارى اختلفوا في التوحيد والتنزيه وأحوال الآخرة على ما عرفت . * ( مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) * الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه . والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع لقوله عليه السلام « اختلاف أمتي رحمة » . ولقوله عليه الصلاة والسلام « من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد » . * ( وأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * وعيد للذين تفرقوا وتهديد على التشبه بهم .
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوه وتَسْوَدُّ وُجُوه فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّه هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) * ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوه وتَسْوَدُّ وُجُوه ) * نصب بما في لهم من معنى الفعل ، أو بإضمار اذكر . وبياض الوجه وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه . وقيل يوسم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه ، وأهل الباطل بأضداد ذلك . * ( فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ) * على إرادة القول أي فيقال لهم أكفرتم ، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم ، وهم المرتدون أو أهل الكتاب كفروا برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعد إيمانهم به قبل مبعثه ، أو جميع الكفار كفروا بعد ما أقروا به حين أشهدهم على أنفسهم أو تمكنوا من الإيمان بالنظر في الدلائل والآيات . * ( فَذُوقُوا الْعَذابَ ) * أمر إهانة . * ( بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) * بسبب كفركم أو جزاء لكفركم . * ( وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّه ) * يعني الجنة والثواب المخلد ، عبر عن ذلك بالرحمة تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة اللَّه تعالى لا يدخل الجنة إلا برحمته وفضله ، وكان حق الترتيب أن يقدم ذكرهم لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم . * ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) * أخرجه مخرج الاستئناف للتأكيد كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقال هم فيها خالدون .
تِلْكَ آياتُ اللَّه نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ومَا اللَّه يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) ولِلَّه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ وإِلَى اللَّه تُرْجَعُ الأُمُورُ ( 109 ) * ( تِلْكَ آياتُ اللَّه ) * الواردة في وعده ووعيده * ( نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ) * ملتبسة بالحق لا شبهة فيها . * ( ومَا اللَّه يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ) * إذ يستحيل الظلم منه لأنه لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه ، ولا يمنع عن شيء فيظلم بفعله ، لأنه المالك على الإطلاق كما قال .