تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
فجحده . وقيل المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة ، والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب عليهم الخيانة . وقرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمرو * ( يُؤَدِّه إِلَيْكَ ) * و * ( لا يُؤَدِّه إِلَيْكَ ) * بإسكان الهاء وقالون باختلاس كسرة الهاء وكذا روي عن حفص والباقون بإشباع الكسرة . * ( إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْه قائِماً ) * إلا مدة دوامك قائما على رأسه مبالغا في مطالبته بالتقاضي والترافع وإقامة البينة . * ( ذلِكَ ) * إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله * ( لا يُؤَدِّه ) * . * ( بِأَنَّهُمْ قالُوا ) * بسبب قولهم . * ( لَيْسَ عَلَيْنا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) * أي ليس علينا في شأن من ليسوا من أهل الكتاب ، ولم يكونوا على ديننا ، عتاب وذم . * ( ويَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ ) * بادعائهم ذلك * ( وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * أنهم كاذبون ، وذلك لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم وقالوا : لم يجعل لهم في التوراة حرمة . وقيل عامل اليهود رجالا من قريش فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا سقط حقكم حيث تركتم دينكم وزعموا أنه كذلك في كتابهم . وعن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال عند نزولها « كذب أعداء اللَّه ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر » .
بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِه واتَّقى فَإِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 76 ) * ( بَلى ) * إثبات لما نفوه أي بلى عليهم فيهم سبيل . * ( مَنْ أَوْفى بِعَهْدِه واتَّقى فَإِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) * استئناف مقرر للجملة التي سدت * ( بَلى ) * مسدها ، والضمير المجرور لمن أو للَّه وعموم المتقين ناب عن الراجع من الجزاء إلى * ( مَنْ ) * ، وأشعر بأن التقوى ملاك الأمر وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي .
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه وأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 ) * ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ) * يستبدلون . * ( بِعَهْدِ اللَّه ) * بما عاهدوا اللَّه عليه من الإيمان بالرسول والوفاء بالأمانات . * ( وأَيْمانِهِمْ ) * وبما حلفوا به من قولهم واللَّه لنؤمنن به ولننصرنه ، * ( ثَمَناً قَلِيلاً ) * متاع الدنيا . * ( أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه ) * بما يسرهم أو بشيء أصلا ، وأن الملائكة يسألونهم يوم القيامة ، أو لا ينتفعون بكلمات اللَّه وآياته ، والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله : * ( ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه ، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه . * ( ولا يُزَكِّيهِمْ ) * ولا يثني عليهم * ( ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * على ما فعلوه . قيل : إنها نزلت في أحبار حرفوا التوراة وبدلوا نعت محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة . وقيل : نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به . وقيل : نزلت في ترافع كان بين الأشعث بن قيس ويهودي في بئر أو أرض وتوجه الحلف على اليهودي .
وإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوه مِنَ الْكِتابِ وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه وما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ويَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ ( 78 ) * ( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً ) * يعني المحرفين ككعب ومالك وحيي بن أخطب . * ( يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ) * يفتلونها بقراءته فيميلونها عن المنزل إلى المحرف ، أو يعطفونها بشبه الكتاب . وقرئ « يلون » على قلب الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها . * ( لِتَحْسَبُوه مِنَ الْكِتابِ وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ) * الضمير للمحرف المدلول عليه بقوله * ( يَلْوُونَ ) * . وقرئ « ليحسبوه » بالياء والضمير أيضا للمسلمين . * ( وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه وما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * تأكيد لقوله : * ( وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ) * وتشنيع عليهم وبيان لأنهم
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 24 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي