تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
ملك ذلك بتمليك اللَّه سبحانه وتعالى إياه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضر اللَّه تعالى به من البلايا والمصائب ، وما ينفع به من الصحة والسعة وإنما قال ما نظرا إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأسا ، وتنبيها على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية ، وإنما قدم الضر لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع . * ( واللَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * بالأقوال والعقائد فيجازي عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيراً وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ) * أي غلوا باطلا فترفعوا عيسى عليه الصلاة والسلام إلى أن تدعوا له الألوهية ، أو تضعوه فتزعموا أنه لغير رشدة . وقيل الخطاب للنصارى خاصة . * ( ولا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ ) * يعني أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا قبل مبعث محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في شريعتهم . * ( وَأَضَلُّوا كَثِيراً ) * ممن شايعهم على بدعهم وضلالهم . * ( وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) * عن قصد السبيل الذي هو الإسلام بعد مبعثه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لما كذبوه وبغوا عليه ، وقيل الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع .
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوه لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) * ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) * أي لعنهم اللَّه في الزبور والإنجيل على لسانهما . وقيل إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت لعنهم اللَّه تعالى على لسان داود فمسخهم اللَّه تعالى قردة ، وأصحاب المائدة لما كفروا دعا عليهم عيسى عليهم السلام ولعنهم فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل . * ( ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ) * أي ذلك اللعن الشنيع المقتضي للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم . * ( كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوه ) * أي لا ينهى بعضهم بعضا عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن مثل منكر فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤوا له ، أو لا ينتهون عنه من قولهم تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع . * ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) * تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم .
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّه عَلَيْهِمْ وفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 ) ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إِلَيْه مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ ولكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 ) * ( تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ ) * من أهل الكتاب . * ( يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * يوالون المشركين بغضا لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والمؤمنين . * ( لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ) * أي لبئس شيئا قدموه ليردوا عليه يوم القيامة * ( أَنْ سَخِطَ اللَّه عَلَيْهِمْ وفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ) * هو المخصوص بالذم ، والمعنى موجب سخط اللَّه والخلود في العذاب ، أو علة الذم والمخصوص محذوف أي لبئس شيئا ذلك لأنه كسبهم السخط والخلود . * ( وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه والنَّبِيِّ ) * يعني نبيهم وإن كانت الآية في المنافقين فالمراد نبينا عليه السلام . * ( وما أُنْزِلَ إِلَيْه مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ ) * إذ الإيمان يمنع ذلك . * ( ولكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) * خارجون عن دينهم أو متمردون في نفاقهم .
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 139 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي