تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
عادلة غير غالية ولا مقصرة ، وهم الذين آمنوا بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وقيل مقتصدة متوسطة في عداوته . * ( وكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) * أي بئس ما يعملونه ، وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملهم وهو المعاندة وتحريف الحق والإعراض عنه والإفراط في العداوة .
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 67 ) * ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) * جميع ما أنزل إليك غير مراقب أحدا ولا خائف مكروها . * ( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ) * وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك . * ( فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه ) * فما أديت شيئا منها ، لأن كتمان بعضها يضيع ما أدي منها كترك بعض أركان الصلاة ، فإن غرض الدعوة ينتقض به ، أو فكأنك ما بلغت شيئا منها كقوله : * ( فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) * من حيث أن كتمان البعض والكل سواء في الشفاعة واستجلاب العقاب . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر * ( رِسالاتِه ) * بالجمع وكسر التاء . * ( واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) * عدة وضمان من اللَّه سبحانه وتعالى بعصمة روحه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من تعرض الأعادي وإزاحة لمعاذيره . * ( إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) * لا يمكنهم مما يريدون بك . وعن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « بعثني اللَّه برسالاته فضقت بها ذرعا فأوحى اللَّه تعالى إليّ إن لم تبلغ رسالتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت » . وعن أنس رضي اللَّه تعالى عنه ، كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يحرس حتى نزلت ، فأخرج رأسه من قبة أدم فقال : انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني اللَّه من الناس . وظاهر الآية يوجب تبليغ كل ما أنزل ولعل المراد به تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد ، وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم افشاؤه .
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ) * أي دين يعتد به ويصح أن يسمى شيئا لأنه باطل . * ( حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) * ومن إقامتها الإيمان بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والإذعان لحكمه ، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقه والمعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له ، والمراد إقامة أصولها وما لم ينسخ من فروعها . * ( ولَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) * فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه إليهم ، فإن ضرر ذلك لاحق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصَّابِئُونَ والنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 ) * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصَّابِئُونَ والنَّصارى ) * سبق تفسيره في سورة « البقرة » والصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز إن والتقدير : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك كقوله : فإنّي وقيّار بها لغريب وقوله : وإلَّا فاعلموا أنّا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 136 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي