تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
المخاطب بهذه الآية ، ليس البلغاء والفصحاء وأهل الممارسة والتمرين في الشعر والأدب ، بل المخاطب جماعة المرتابين ، وربما فيهم البلغاء والأدباء ، فدعوة المرتابين إلى الإتيان بالمباشرة غير صحيحة ، فالأمر بالإتيان أعم من الإتيان مباشرة أو تسبيبا ، ولابد من قيام الشاهد على ذلك ، وهو قوله تعالى : * ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) * ، فإن المرتابين يفعلون الأفاعيل والجد والاجتهاد بالتوسل إلى أهل الكلام والبلاغة لإتيان المماثل بصرف الدراهم والدنانير أو التطميع والتهديد وغير ذلك من الأسباب والوسائل الممكنة ، فهم يجتهدون ويفعلون الأفعال الخاصة لنيل مرامهم ومقصودهم ، ومنها التوسل إلى الأوثان بعبادتها والأصنام بالذبح عندها وغير ذلك . وعلى هذا تبين أن الأبلغ قوله تعالى : * ( فإن لم تفعلوا ) * . ثم إن من البلاغة تضمين الكلام بإيجاد اليأس فيهم ، وتوجيههم إلى الهداية والإسلام وإعلامهم بأنهم لن يفعلوا ، من غير إفادة عجزهم وتذليل خواطرهم وضمائرهم بالتهكم والتعجيز ، ولذلك يقال : * ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) * وكأنه إخبار عن انصرافهم عن تعقيب هذا الأمر العظيم ، وهو الإتيان بالمثل والمشابه ، ضرورة أن عدم الفعل كما يستند إلى عدم العلم أو العجز وعدم القدرة ، يستند إلى عدم الإرادة ، فلوحظ هذا الجانب في هذا التعبير أيضا ، فهاتان الآيتان آية في البلاغة بحسب الدعوة إلى الحق ، والاشتمال على كيفية الاستدلال ومراعاة التوجيه إلى جانب الحق ، بمراعاة الأدب في الكلام والبحث من جهات شتى ونواح مختلفة ، كما أشرنا إليه ، وسيظهر أيضا بعض هذه الأمور في البحوث الآتية إن شاء الله تعالى .