المبحث الثالث
في كونه تعالى علة مبقية
قد تقرر في قواعدنا الحكمية : أن الممكنات كما تفتقر إلى العلة
المحدثة ، مفتقرة إلى العلة المبقية حال بقائها ، فإذا كان معنى الرب هو
تبليغ الشئ إلى كماله اللائق به شيئا فشيئا وحالا فحالا ، وكان هو
تعالى رب العالمين ، يثبت أنه تعالى هو العلة المبقية ، وإذا كان هو
السبب المبقي فلا خلاف في أنه السبب الموجد ، فيعلم من ذلك وحدة
السببين الموجد والمبقي ، كما تحرر : أن ما يستند إليه الممكن في أصل
وجوده حدوثا يستند إلى شخصه بقاء ، وأن السبب الموجد عين السبب
المبقي ( 1 ) .
وقيل : ليس فيه دليل على ذلك ، إذ الشئ التدريجي لما كان حصوله
على هذا الوجه ، فجميع زمان وجوده هو بعينه زمان حدوثه ، فالنامي -
مثلا - زمان نموه من أول نشوه إلى منتهى كماله المقداري ، هو زمان حدوث
مقداره الحاصل له شيئا فشيئا ، وذلك مثل فعل الصلاة ، فإن زمانه من لدن
أول تكبيرة الافتتاح إلى آخر تسليمة الاختتام ، كله وقت الحدوث ، لا
وقت البقاء ( 2 ) . انتهى .
هامش
1 - الشفاء ( قسم الإلهيات ) : 261 - 268 ، التحصيل : 524 - 527 ، الأسفار 1 : 219 - 221
و 2 : 214 - 216 .
2 - تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألهين 1 : 78 .