آخر من الأصنام والأوثان " اني لكم منه نذير مبين " أي من الله مخوف من عقابه
مظهر ما أوجب عليكم وأمركم به . وقيل : الوجه في تكرار ( اني لكم منه نذير
مبين ) هو ان الثاني منعقد بغير ما انعقد به الأول إذ تقديره اني لكم منه نذير
مبين في الامتناع من جعل اله آخر معه ، وتقدير الأول اني لكم منه نذير مبين في
ترك الفرار إليه بطاعته فهو كقولك : أنذرك أن تكفر بالله أنذرك ان تتعرض
لسخط الله ، ويجوز أن يقول الله ولا تجعلوا مع الله قديما آخر ، كما قال
( ولا تجعلوا مع الله إلها ) لان جعلهم ذلك باعتقادهم إلها معه أو اظهارهم انه
مذهب لهم . ولا يجوز ان يقول : لا تكونوا قدماء مع الله لأنه نهي عما لا يمكن ،
وهو محال ، وكذلك لا يجوز ان يقول لا تصيروا قدماء ولا آلهة ، لأنه محال .
والنذير هو المخبر بما يحذر منه ويصرف عنه وهو يقتضي المبالغة . والمنذر صفة
جارية على الفعل تقول : انذر ينذر انذارا ، فهو منذر ، ونذره أي علم به واستعد له
والمبين الذي يأتي ببيان الحق من الباطل .
ثم قال مثل ما أتى هؤلاء الكفار نبي فكذبوه ( كذلك ما أتى الذين من
قبلهم ) من الأمم ( رسول إلا قالوا ) هو ( ساحر أو مجنون ) فالساحر هو الذي
يحتال بالحيل اللطيفة . والمجنون الذي به جنون . وإنما قال الجهال ذلك في الرسل
لان الاقدام عندهم على إنكار عبادة الأوثان لا يكفي فيه الشبهة دون الجنة ، فالمجنون
المغطى على عقله بمالا يتوجه للادراك به ، فكذلك شبه حال قريش في التكذيب
بحال . الأمم حتى قالوا : سحر أو مجنون . وإنما جاز منهم الاتفاق على تكذيب
الرسل من غير تواص ولا تلاق ، لان الشبهة الداعية إليه واحدة .
وقوله ( اتواصوا ) فالتواصي هو إيصاء بعض القوم إلى بعض بوصية ، والوصية
التقدمة في الامر بالأشياء المهمة مع النهي عن المخالفة ، كالوصية بقضاء الدين ورد
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 396
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣٩٦