إنما هو ما يفعله صاحبه وله طريق إلى العلم بدلا منه مما يعمل عليه ، فهذا ظن
محرم لا يجوز فعله ، فأما مالا سبيل له إلى دفعه بالعلم بدلا منه ، فليس باثم ، فلذلك
كان بعض الظن أثم ، دون جميعه ، والظن المحمود قد بينه الله ودل عليه في قوله
( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) ( 1 ) : يلزم المؤمن
أن يحسن الظن به ولا يسئ الظن في شئ يجد له تأويله جميلا ، وإن كان ظاهره
القبيح . ومتى فعل ذلك كان ظنه قبيحا .
وقوله ( ولا تجسسوا ) أي لا تتبعوا عثرات المؤمن - في قول ابن عباس
ومجاهد وقتادة - وقال أبو عبيدة التجسس والتجسس واحد وهو التبحث يقال :
رجل جاسوس ، والجاسوس والناموس واحد . وقيل للمؤمن حق على المؤمن ينافي
التجسس عن مساوئه . وقيل : يجب على المؤمن أن يتجنب ذكره المستور عند الناس
بقبيح ، لان عليهم أن يكذبوه ويردوا عليه ، وإن كان صادقا عند الله ، لان الله
ستره عن الناس ، وإنما دعى الله تعالى المؤمن إلى حسن الظن في بعضهم ببعض
للألفة والتناصر على الحق ، ونهوا عن سوء الظن لما في ذلك من التقاطع والتدابر .
وقوله ( ولا يغتب بعضكم بعضا ) فالغيبة ذكر العيب بظهر الغيب على وجه
تمنع الحكمة منه . ويروى في الخبر إذا ذكرت المؤمن بما فيه مما يكرهه الله ، فقد اغتبته
وإذا ذكرته بما ليس فيه ، فقد بهته .
وقوله ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) معناه ان من
دعي إلى اكل لحم أخيه فعافته نفسه ، فكرهته من جهة طبعه ، فإنه ينبغي إذا دعي
إلى عيب أخيه فعافته نفسه من جهة عقله ، فينبغي أن يكرهه ، لان داعي العقل
أحق بأن يتبع من داعي الطبع لان داعي الطبع أعمى وداعي العقل بصير ، وكلاهما
هامش
( 1 ) سورة 24 النور آية 12