ثم قال تعالى ( وخلق الله السماوات والأرض بالحق ) أي للحق لم يخلقهما
عبثا ، وإنما خلقهما لمنافع خلقه بأن يكلفهم فيها ويعرضهم للثواب الجزيل ( ولتجزى
كل نفس بما كسبت ) من ثواب طاعة أو عقاب على معصية ( وهم لا يظلمون ) أي
لا يبخسون حقوقهم .
ثم قال ( أفرأيت من اتخذ ) يا محمد ( الهه هواه ) وإنما سمي الهوى إلها
من حيث أن العاصي يتبع هواه ويرتكب ما يدعوه إليه ولم يريد انه يعبد هواه أو
يعتقد أنه يحق له العبادة ، لان ذلك لا يعتقده أحد . قال الحسن : معناه اتخذ إلهه
بهواه ، لان الله يحب أن يعرف بحجة العقل لا بالهوى . وقال سعيد بن جبير
كانوا يعبدون العزى وهو حجر أبيض حبنا من الدهر ، فإذا وجدوا ما هو أحسن
منه طرحوا الأول وعبد وا الآخر . وقال ابن عباس : معناه أفرأيت من اتخذ دينه
ما يهواه لأنه يتخذه بغير هدى من الله ولا برهان . وقوله ( وأضله الله على علم )
معناه حكم الله بضلاله عالما بعدوله عن الحق . ويحتمل أن يكون المعنى يعدل الله
به عن طريق الجنة إلى طريق النار جزاء على فعله ، عالما بأنه يستحق ذلك ( وختم
على سمعه وقلبه ) وقد فسرناه في ما مضى . ومعناه أنه يجعل عليهما علامة تدل
على كفره وضلاله واستحقاقه للعقاب ، لا أنه يفعل فيهما ما يمنع من فعل الايمان
والطاعات ( وجعل على بصره غشاوة ) شبهه بمن كان على عينه غشاوة تمنعه من
الابصار ، لان الكافر إذا كان لا ينتفع بما يراه ولا يعتبر به ، فكأنه لم يره ، ثم قال
( فمن يهديه ) إلى طريق الجنة أو من يحكم بهدايته ( من بعد الله ) إن حكم الله
بخلافه ( أفلا تذكروه ) أي أفلا تتفكرون فتعلمون ان الامر على ما قلناه .
ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم ( قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ) أي
ليس الحياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها في دار الدنيا ( نموت ونحيا ) وقيل في
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 259
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٢٥٩