جواب لذلك القول بل أخبر تعالى عن اختراعه السماوات والأرض وانشائه لهما
من غير تعذر ولا مشقة ولا كلفة ومن غير ملابسة ولا معاناة بمنزلة ما قيل :
للمأمور افعل ففعل من غير تلبث ولا توقف ، فعبر عن ذلك بالامر والطاعة وهو
كقوله ( كن فيكون ) ( 1 ) وقد بينا الوجه في ذلك ويكون التقدير كأنه قيل :
أتينا بمن فينا طائعين أي سبحانه فعل الطبائع في ما أمر به وإنما قلنا ذلك لأنه
تعالى لا يأمر المعدوم ولا الجماد ، لان ذلك قبيح يتعالى الله عن ذلك ومثل ذلك
قول الشاعر :
امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني ( 2 )
ونظائر ذلك كثيرة بيناها في ما مضى وإنما قال ( طائعين ) ولم يقل
طائعتين ، لأنه لما اسند الفعل اليهما وهو مالا يكون إلا من العقلاء اخبر عنهما
بالياء والنون ، وقال قطرب : لان المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء .
وقال الشاعر :
فأجهشت للتوباد حين رأيته * وكبر للرحمن حين رآني
فقلت له أين الذين عهدتهم * بجنبيك في حفض وطيب زمان
فقال مضوا واستودعوني بلادهم * ومن ذا الذي يبقى على الحدثان ( 3 )
وقوله ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) معناه جعلهن سبع سماوات على
اتمام خلقهن لان القضاء جعل الشئ على إتمام وإحكام ولذلك قيل : انقضى أي
قد تم ومضى ، وقضى فلان إذا مات ، لان عمره تم ومضى . وقيل : إن السماء
موج مكفوف ، روي ذلك في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله . وقال الحسن : هي سبع أرضين
هامش
( 1 ) سورة 36 يس آية 82 وغيرها
( 2 ) مر في 1 / 431 و 8 / 85 ، 369
( 3 ) قد مر في 8 / 369