وحقيقة الميراث هو انتقال تركة الماضي بموته إلى الثاني من ذوي قرابته .
وحقيقة ذلك في الأعيان ، فإذا قيل ذلك في العلم كان مجازا . وقولهم : العلماء
ورثة الأنبياء ، لما قلنا . والخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله خبر واحد ، لا يجوز
أن يخص به عموم القرآن ولا نسخه به .
وقال بعضهم : إن داود كان له تسعة عشر ولدا ذكورا وورثه سليمان
خاصة ، فدل على أنه إنما ورثه العلم والنبوة ، فخبر واحد لا يلتفت إليه .
وقوله * ( يا أيها الناس علمنا منطق الطير ) * أي فهمنا معاني منطقها وما نفهم
به بعضها عن بعض ، قال المبرد : والعرب تسمي كل مبين عن نفسه ناطقا ومتكلما
قال رؤبة :
لو انني أوتيت علم الحكل * علم سليمان كلام النمل ( 1 )
وقال الرماني * ( منطق الطير ) * صوت يتفاهم به معانيها على صيغة واحدة ،
بخلاف منطق الناس إذ هو صوت يتفاهمون به معانيهم على صيغ مختلفة ، لذلك
لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها ، ولم تفهم هي عنا ، لان افهامها مقصورة على
تلك الأمور المخصوصة ، ولما جعل سليمان يفهم عنها ، كان قد علم منطقها .
وقوله * ( وأوتينا من كل شئ ) * لفظه لفظ العموم ، والمراد به الخصوص
لأنه لم يؤت أشياء كثيرة . وقيل : المعنى * ( وأوتينا من كل شئ ) * يطلبه
طالب لحاجته إليه وانتفاعه به ، ويحتمل أن يكون المراد * ( وأوتينا من كل شئ ) *
علما وتسخيرا في كل ما يصلح أن يكون معلوما لنا ومسخرا ، غير أن مخرجه
مخرج العموم أبلغ وأحسن .
ثم اخبر ان سليمان كان قد قال هذا القول : إن هذا لهو الفضل الظاهر . اعترافا
هامش
( 1 ) مقاييس اللغة ( حكل ) 2 / 91