وحسبتم ( أنكم الينا لا ترجعون ) أي إلى الحال التي لا يملك نفعكم وضركم فيها
إلا الله ، كما كنتم في ابتداء خلقكم قبل أن يملك أحدا شيئا من أمركم . ثم نزه
تعالى نفسه عن كل دنس ، وأخبر انه ( فتعالى الله الملك الحق ) ومعناه : علا معنى
صفته ، فوق كل صفة لغيره ، فهو تعظيم الله تعالى بأن كل شئ سواه يصغر مقداره
عن معنى صفته . ( والملك الحق ) هو الذي يحق له الملك ، بأنه ملك غير مملك ،
وكل ملك غيره ، فملكه مستعار له ، وإنما يملك ما ملكه الله ، فكأنه لا يعتد بملكه
في ملك ربه ، والحق هو الشئ الذي من اعتقده كان على ما اعتقده ، فالله الحق ،
لأنه من اعتقد انه لا إله إلا هو ، فقد اعتقد الشئ على ما هو به . وقوله ( رب
العرش الكريم ) أي خالقه ، ووصفه العرش بأنه كريم تعظيم له باتيان الخير من
جهته ، بما دبره الله لعباده ، والكريم في أصل اللغة القادر على التكرم من غير مانع .
ثم قال " ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به " ومعناه إن من دعا مع الله
إلها سواه لا يكون له على ذلك برهان ولا حجة ، لأنه باطل ، ولو دعا الله ببرهان
لكان محقا ، واجري على ذلك قوله " ويقتلون النبيين بغير حق " ( 1 )
وقول الشاعر :
على لاحب لا يهتدى بمناره ( 2 )
وقوله " فإنما حسابه على ربه " يعني الله الذي يبين له مقدار ما يستحقه من
ثواب أو عقاب . ثم اخبر تعالى بأنه " لا يفلح الكافرون " يعني الجاحدين لنعم
الله ، والمنكرين لتوحيده ، والدافعين للبعث والنشور . ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله فقال له
" قل " يا محمد " رب اغفر وارحم " أي اغفر الذنوب ، وانعم على خلقك .
" وأنت خير الراحيم " معناه أفضل من رحم وانعم على غيره ، وأكثرهم نعمة
وأوسعهم فضلا .
هامش
( 1 ) سورة 3 آل عمران آية 21
( 2 ) انظر 2 / 356 ، 423 و 6 / 213