غافلين " بل كنا حافظين للسماء من أن تسقط عليهم ، فتهلكهم . والغفلة ذهاب المعنى
عن النفس . ومثله السهو ، فالعالم لنفسه لا يجوز عليه الغفلة ، لأنه لا شئ إلا وهو
عالم به . وإنما ذكر الغفلة بعد الطرائق ، لان من جاز عليه الغفلة عن العباد جاز عليه
الغفلة عن الطرائق التي فوقهم ، فتسقط عليهم ، فأمسك الله تعالى طرائق السماوات أن
تقع على الأرض إلا باذنه . ولولا إمساكه لها لم تقف طرفة عين .
وقوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر " أي أنزلنا المطر والغيث بقدر الحاجة ،
لا يزيد على قدر الحاجة ، فيفسد ، ولا ينقص عنها فيهلك ، بل وفق الحاجة .
وقوله " فأسكناه في الأرض " يعني انه تعالى أسكن الماء المنزل من السماء في
الأرض وأثبته في العيون والأودية . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : ( أربعة أنهار
من الجنة : النيل ، والفرات ، وسيحان ، وجيحان ) .
ثم قال تعالى " وإنا على ذهاب به لقادرون " لا يعجزنا عن ذلك شئ ، ولو
فعلناه لهلك جميع الحيوان ، فنبههم بذلك على عظم نعمة الله على خلقه ، بانزال الماء
من السماء .
ثم اخبر تعالى انه ينشئ للخلق بذلك الماء ( جنات ) وهي البساتين ( من
نخيل وأعناب ) لتنتفعوا بها معاشر الخلق ( لكم فيها فواكه كثيرة ) تفكهون بها
( ومنها تأكلون ) وإنما خص النخيل والأعناب ، لأنها ثمار الحجاز ، من المدنية
والطائف . فذكرهم الله تعالى بالنعم التي يعرفونها .
وقوله ( وشجرة تخرج من طور سيناء ) إنما خص الشجرة التي تخرج من
طور سيناء ، لما في ذلك من العبرة ، بأنه لا يتعاهدها إنسان بالسقي ، ولا يراعيها أحد
من العباد ، تخرج الثمرة التي يكون فيها الدهن الذي تعظم الفائدة وتكثر المنفعة به .
وسيناء البركة ، كأنه قال جبل البركة - وهو قول ابن عباس ومجاهد - وقال قتادة
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 357
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣٥٧