فان قيل : كيف دخل الاستفهام على الشرط ، وإنما هو كغيره من الانقلاب
والتقدير أتنقلبون إن مات أو قتل ؟ قيل : لأنه لما انعقد الشرط به صار جملة واحدة
وخبرا واحدا بمنزلة تقدير الاسم قبل الفعل في الذكر إذا قيل أزيد قام ،
وكذلك تقديمه في القسم ، والاكتفاء بجواب الشرط من جواب القسم ، كما قال
الشاعر : ( 1 ) .
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل * أمامك بيت من بيوتي سائر ( 2 )
أي حلفت له لا يزال امامك بيت وأجاز الفراء في مثله أفإن مات أو قتل "
تنقلبون بالرفع ، والجزم ومعنى " انقلبتم على أعقابكم " أي ارتددتم كفارا بعد
إيمانكم ، لان الرجوع عن الحق إلى الباطل بمنزلة رجوع القهقرى في القبح ،
والتنكيل ( 3 ) بالنفس فجرى كالمثل في هذا المعنى ، والألف في قوله " أفإن "
ألف انكار بصورة ألف استفهام ، لان التقرير به يظهر ما فيه من المنكر ، فلذلك
أخرج مخرج الاستفهام مع أن معناه الانكار . ومثله أتختار الفساد على الصلاح
والخطأ على الصواب . وقوله : ( أفإن مات أو قتل ) يدل على أن الموت غير القتل
لأنه لو كان هو إياه لما عطف به عليه ، لان الشئ لا يعطف على نفسه . والقتل
هو نقض بنيه الحياة ، والموت في الناس من قال : هو معنى يضاد الحياة وفيهم
من قال : هو افساد البنية التي تحتاج الحياة إليها بفعل معان فيه تضاد المعاني التي
تحتاج إليها الحياة . وقوله : " ومن ينقلب على عقبيه " أي من يرتد ويرجع عن
الاسلام " فلن يضر الله شيئا " لأنه لا يجوز عليه المضار بل مضرته عائدة عليه ،
لأنه يستحق العقاب الدائم . وقوله : " وسيجزي الله الشاكرين " معناه يثيب
هامش
( 1 ) هو الراعي
( 2 ) معاني القرآن للفراء 1 : 69 - 236 والمعاني الكبير : " 805 . وخزانة الأدب
4 . 450 ورواية المعاني الكبير ( عائر ) بدل ( سائر ) وقال : أي بيت هجاء عائر . من
قولهم : عار الفرس : إذا ذهب وجاء مترددا ويقال : قصيدة عائرة أي سائرة في كل وجه .
أدلج : سار في أول الليل .
( 3 ) في المخطوطة ( والسيل ) والصحيح ما في المطبوعة