افتريت عليه ، بل هو أنزله عليّ ، فإن قيل : ما مناسبة قوله : * ( إِنَّه كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) * لما قبله ؟ فالجواب أنه لما ذكر أقوال الكفار : أعقبها بذلك ، لبيان أنه غفور رحيم في كونه لم يعجل عليهم بالعقوبة بل أمهلهم ، وإن أسلموا تاب عليهم وغفر لهم .
* ( وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ) * الآية : قال هذا الكلام [ بعض ] قريش طعنا على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وقد ردّ اللَّه عليهم بقوله * ( وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ فِي الأَسْواقِ ) * [ الفرقان : 20 ] وقولهم : * ( لِهذَا الرَّسُولِ ) * على وجه التهكم كقول فرعون : * ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ) * [ الفرقان : 27 ] أو يعنون الرسول بزعمه ، ثم ذكر ما اقترحوا من الأمور في قولهم : * ( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْه مَلَكٌ ) * [ الأنعام : 8 ] وما بعده ، ثم وصفهم بالظلم ، وقد ذكرنا معنى * ( مَسْحُوراً ) * في [ الإسراء : 47 ] * ( ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثالَ ) * أي قالوا فيك تلك الأقوال * ( فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) * أي لا يقدرون على الوصول إلى الحق لبعدهم عنه وإفراط جهلهم * ( خَيْراً مِنْ ذلِكَ ) * الإشارة إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا * ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * يعني جنات الآخرة وقصورها وقيل : يعني جنات ، وقصورا في الدنيا ، ولذلك قال : إن شاء * ( إِذا رَأَتْهُمْ ) * أي إذا رأتهم جهنم وهذه الرؤية يحتمل أن تكون حقيقة أو مجازا بمعنى : صارت منهم بقدر ما يرى على البعد * ( سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وزَفِيراً ) * التغيظ لا يسمع وإنما المسموع أصوات دالة عليه ، ففي لفظه تجوّز ، والزفير أول صوت الحمار * ( مَكاناً ضَيِّقاً ) * تضيق عليهم زيادة في عذابهم * ( مُقَرَّنِينَ ) * أي مربوط بعضهم إلى بعض ، وروي أن ذلك بسلاسل من النار * ( دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ) * الثبور :
الويل وقيل : الهلاك ، ومعنى دعائهم ثبورا : أنهم يقولون يا ثبوراه كقول القائل : وا حسرتاه وا أسفاه * ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً ) * تقديره : يقال لهم ذلك أو يكون حالهم يقتضي ذلك ، وإن لم يكن ثم قول ، وإنما دعوا ثبورا كثيرا لأن عذابهم دائم ، فالثبور يتجدد عليهم في كل حين * ( قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ ) * إنما جاز هنا التفضيل بين الجنة والنار ، لأن الكلام سؤال وتوبيخ ، وإنما يمنع التفضيل بين شيئين ، ليس بينهما اشتراك في المعنى إذا كان الكلام خبرا * ( وَعْداً مَسْؤُلًا ) * أي سأله المؤمنين أو الملائكة في قولهم : وأدخلهم جنات
التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 79
مساهمون: الغرناطي الكلبي
ص٧٩